وظاهر الآية التي في ص أن الركض واحد ، وكانت امرأته تكسب وتقوته ولما طال الأمر شتمها الناس ، ولم يستعملها أَحد . فحزّت قَرنا من رأسها باعته ، وأتته بثمنه طعاما . فقال لها: أين قَرنك فأَخبرته .
فقال: رب إني مسَّنِى الضر .
وقيل: قال ذلك لتعرُّض إبليس لزوجته: أن تسجد له ، ولأمره: أن تذبح لغير الله ، ولأمره: أن يسجد له .
وقيل: لشماتة أصدقائه به .
وقيل: لطرده إياها .
وقيل: لقصد الدود قلبه ولسانه فخشى أن يبقى منقطعا عن الذكر والفكر . وكانت الدودة . قيل: كالذراع .
وقيل: قال ذلك لما وقعت دودة فردَّها لموضعها ، وقال لها: قد جعلنى الله طعامك ، فعضته غضة زاد ألمها على ما قاسى من عقر الديدان .
وعن عبد الله بن عمر: كان له أخوان ، فقاما من بعيد لنتنه . فقال أحدهما: لو علم الله فيه خيرًا ما ابتلاه . فسمع ذلك ، وما كان شيء أشد عليه من كلامه . فقال: ربي إني مسنى الضر ، وأنت أرحم الراحمين . اللهم إن كنتَ تعلم أنى لم أبت قط شبعانَ وأنا أعلم بمن كان جائعًا فصدِّقنى . فصُدِّق من السماء ، وهما يسمعان . فخر ساجدا لله فكلام الرجل هو الضر الذي مسه .
كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسَّاد
إن المصائب تنقضى أيامها ... وشماتة الأعداء بالمرصاد
قال الجُنَيد: عرَّفه فاقة السؤال لمنّ عليه بكثرة النوال .
ومات . قيل: وهو ابن ثلاث وتسعين سنة . وسماه الله صابرًا مع قوله: رب إني مسَّنى الضر؛ لأن قوله هذا ليس بشكوى ، بل دعاء - كما مر - بدليل {فاستجبنا له} .
وأيضًا إظهار الشكوة ولو للناس مع الرضى بالقضاء ليس جزعًا ، وقد قال A لجبريل في مرض موته: أجدنى مغمومًا . أجدنى مكروبًا .
وقالت عائشة: وارأساه .
فقال: بل أنا وارأساه .
وقيل في رحمة: إنها بنت يوسف الصديق .
وقيل في أيوب: إنه من بنى إسرائيل لا من الروم .
وروى أنه إذا وقعت دودة ردَّما ، وقال: كلى رزقك ، وأنه دعا حتى مر عليه أعداء له فشقوا به ، وأنه لما أمطرت عليه سحابة من ذهب ، جعل يجمع ما طار أو بَعُدَ في ثوبه .
وروى أن الله أذن لإبليس في هلاك قرابة أيوب ، كما أذن في أولاده .
وروى أن إبليس - لعنه الله - قال لأيوب عيانا: اذبح سَخْلة .
قال: لا ولا كفًّا من تراب .
{وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} اصبروا كما صَبر ، وتُثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة .
ذكر الشيخ هود عن ابن مسعود: أنه لا يبلغ المرء الإشراك بالله حتى يصلى لغير الله ، أو يدعو غير الله ، أو يذبح لغير الله .
وذكر عن الحسن أن الله جل وعلا يحتج على أهل الجمال - إذا قالوا: آتيتنا جَمالا ، أشغلَنا على العبادة - يوسف . ويقول: جَمالكم خير أم جَماله؟
فيقولون: جَماله .
فيقول: لم يشغله ، وعلى أهل البلاء بأيوب . وعلى أهل الملك بسليمان . ويسألهم: مَن أشد؟ فيقرون . ويقول: لم يشغله ذلك .
وذُكر عن الحسن أنه لم يبلغ شيء في أيوب مثل قولهم: لو كان نبيًّا ما ابتلى بذلك . ودعا عند سماعه قولهم ذلك: اللهم إن علمت أنى لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت مثلها في السر ، فاكشف ما بى من الضر .