وإنما فر سآمة وغضبًا لدين الله - كما مر - أو خشية أن ينسب إليه الكذب ، أو يعمه العذاب ، ولم يؤمر . فذلك ذنبه .
وعن ابن عباس: إن يونس وقومه يسكنون فلسطين ، فغزاهم ملك نسبّه منهم سبعة أسباط ونصف ، وبقى سبطان ونصف ، فأوحى الله إلى أشعياء النبي: أن سر إلى حرفيا الملك ، وقل له يوجه نبيًّا قويا ، فإني ألقى في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بنى إسرائيل ، ففعل .
فقال الملك: فمن ترى؟ وكان في مملكته خمسة أنبياء .
قال: يونس؛ لأنه قوى فدعاه الملك ، وأمره أن يخرج .
فقال: هل أمرك الله بإخراجى؟ وهل سمانى لك؟
قال: فها هنا أنبياء أقوياء غيرى .
فألحوا عليه ، فخرج مغاضبًا للملك والأنبياء وللقوم ، وأتى بحر الروم فركبه .
وقيل: خرج من قومه لما لم يؤمنوا ، وكان عندهم عادة أن يقتلوا الكاذب .
وقيل: اعتادوا هذا بعد إيمانهم .
وعن ابن عباس: أتى جبريل يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرْهم فقال: ألتمس دابة .
قال: الأمر أعجل من ذلك . فغضب وانطق إلى السفينة .
قال وهب: كان في خُلُق يونس ضيق ، فلما حمل أثقال النبوة تَفَسَّخ تحتها ، تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل ، فقذفها من يده ، وخرج هاربًا منها . ولذلك أخرجه الله من أولى العزم؛ إذ قال لنبيه: {فاصبر كما صبر أولو العزم} وقال: {ولا تكن كصاحب الحوت} وزعم بعض أن الشيطان استزله حتى ظن أن الله لا يقدر عليه ، وهو قول منكر .
ولبث في بطن الحوت عشرين يومًا بلياليها .
وقيل: سبعة أيام .
وقيل: ثلاثة .
وقيل: أربع ساعات .
وقيل: إن الحوت ذهب حتى بلغ تخوم الأرض السابعة . وتاب إلى الله ، وراجع نفسه في بطن الحوت .
وروى أنه طال عليه تكذيبهم ، فأوحى الله غليه: أن العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا . فلما دنا الوقت تنحى عنهم . ولما كان قبل الوقت بيوم ، جعل يطوف بالمدينة يبكى ويقول: يأتيكم العذاب غدًا ، فسمعه رجل فانطلق إلى الملك ، فأخبره أنه سمع يونس يبكى ، ويقول كذا .
فدعا الملك قومه ، وأخبرهم . فقال: إن كان هذا حقًّا فسيأتيكم غدًا . فاجتمِعوا حتى ننظر . وخرجوا غدًا ، فنظروا فإذا بظلمة وريح شديدة أقبلتا ، فعرفوا الحق ، ولبسوا الشَّعَر ، وجعلوا التراب والرماد على رءوسهم تواضعًا لله وتضرعًا ، وبكوا وآمنوا . فصرف الله عنهم العذاب . فاشترط بعضهم على بعض: ألا يكذب أحد كذبة إلا قطعنا لسانه .
فجاء يونس من الغد ، فنظر فإذا المدينة على حالها ، والناس داخلون وخارجون فقال: كيف ألقاهم بوجه كاذب .
فأتى إلى ساحل البحر ، فمرت سفينة ، فأشار إليهم ، فحملوه وهم لا يعرفونه فقبع في ناحية منها فرَقد ، فما مضوا إلا قليلا حتى جاءتهم ريح كادت السفينة تغرق .
فاجتمعوا فقالوا: أيقظوا الرجل ليدعوا معنا فأيقظوه . فدعا معهم ، فرفع الله تلك الريح ، وعاد لمكانه فعادت الريح ، فكادت السفينة تهلك ، فأيقظوه فدعا فزالت الريح فتفكر فقال: هذا من خطيئتى .