{حجتهم داحضة} وقيل الحجة الاحتجاج والمبحث واحد ، فإن هذا منهم مسوق مساق الاحتجاج ، وليس باحتجاج صحيح ، ويحتمل أنها سميت حجة واحتجاجا أخذًا من الحج بمعنى القبلة والقطع والغلبة ، وقطع كلام الخصم يكون في الجملة بالحق والباطل ، ويجوز أن يراد بالناس عموم من ذكر ، وبالذين ظلموا من يؤمن منهم ، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا ، أي لكن الذين ظلموا منهم يجادلونكم بالباطل ولا حجة لهم ، وهو أبلغ في نفى الحجة ، كأنه قيل لئلا يكون للناس عليكم حجة غير حجة الذين ظلموا ، ومعلوم أنها حجة غير معتبرة كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
فإن كون الفلول في السيوف من مصادمة العساكر غير عيب ، بل مدح أكد به كأنهُ قيل: إن كانت لهم حجة فما هي إلا حجة الظالم ، ومعلوم أن حجة الظالم في ظلمه باطلة ، فهذا مدح لهم ومدح لأهل الحق ، ويدل على أن الاستثناء منقطع . قراءة زيد بن على: ألا الذين ظلموا ، بفتح همزة ألا وتخفيف لامه وهي التي للاستفتاح والتنبيه ، فالذين ظلموا مبتدأ خبره محذوف أي لا حجة لهم ، أو مفعول لمحذوف على الاشتغال ، أي لا تخشو الذين ظلموا منهم ، فسره فلا تخشوهم أو خبره لا تخشوهم ، والفاء على الوجهين زائدة ، وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى أن إلا عاطفة على الناس عطف عام على خاص ، قال ابن هشام: ذكر الأخفش والفراء وأبو عبيدة أن إلا تكون عاطفة بمنزلة الواو في التشريك في اللفظ . والمعنى وجعلوا منه لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم ثم بذل حسنا بعد سوء أي ولا الذين ظلموا ولا من ظلم وتأولهما الجمهور على الاستثناء المنقطع انتهى .
{فَلاَ تَخْشَوهم} : يا معشر العرب ، أو يا معشر المؤمنين ، لا تخافوا طعنهم فإنه لا يضركم ولا يزرى بكم ، ولا جدالهم في التولى إلى الكعبة ، فإنهم قد علموا أنه جدال باطل وأنى أنصركم عليهم بالحق .
{واخْشَوْنى} : عظِّمونى ولا تتركوا أمرى ولا تخالفوه ، أو احذروا عقابى على ترك أمرى ، فإني الضار النافع والعالم بمصالحكم . قال الفخر الرازى هذه الآية تدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتركه أن ينصب بين عينيه خشية ربه تعالى ، وأن يعلم أنه ليس في يد الخالق شيء ألبتة ، وألا يكون مشتغل القلب بهم ، ولا ملتفت الخاطر إليهم .