فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 7694

ولو قال: وهم المفلحون لم يفد كل ذلك بل بعضه، وقرنت الجملة الثانية بالواو والعاطفة لمغايرة الإفلاح للهدى، فإن الإفلاح الفوز بالمطلوب من رضى الله - جل وعلا - ونعيم الجنة والنجاة من النار وهو في الآخرة ومقصود على حدة والهدى الدلالة والتوفيق وهما في الدنيا مقصودان على حدة بخلاف قوله تبارك وتعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} أن وصفهم بكونه كالأنعام ووصفهم بالغفلة واحد في الحقيقة. وأما الثاني لا مقرر للأول إذ لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة، وكونها كالأنعام وغفلتهم كلاهما في الدنيا. فلذلك الاتحاد في المعنى والزمان لم يكن بالعطف لاقتضائه التغاير. . والله أعلم.

والتحقيق عندي أن أولئك هم المفلحون يفيد الحصر وتأكيد نسبة الإفلاح إلى أولئك. وإيضاح كون المفلحون خيرًا لا نعتًا والترغيب في اقتفاء أثرهم وإظهار قدرهم، سواء جعلنا قولهم هم ضمير فصل أو مبتدأ. وإذا عقلت هذا الحصر ظهر لك أن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، فإن المعنى لا يفلح إلا المتصفون بتلك الصفات. فمن لم يتصف بها غير مفلح، ومن يدخل النار غير مفلح. ولو فرضنا خروجه منها لكان مفلحًا وغير مفلح، وهذا لا يصح. ولعل قومنا القائلين بالخروج يجعلون أل في المفلحون للكمال، أي أولئك هم المتصفة، بتلك الصفات هم أصحاب الفلاح الكامل وغيرهم ممن أقر وفسق مفلحون أيضًا. لكن فلاحهم غير كامل. أم يقولون نزل فلاحهم منزلة العدم، فحصل الفلاح في المتصفين بتلك الصفات، وإنما لم نسلم لهم هذين التأويلين لو لم يكونا خلاف الظاهر بلا داع موجب، ولا يعارضوننا بوصف الفاسق كغيره بالاصطفاء في قوله D: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} لأنه مشروط بالموت على التوبة.

وإن قلت: لو قيل أولئك المفلحون على الابتداء والخبر لأفاد الحصر أيضًا بدون ذكر قوله: هم. قلت: نعم لكن إذا ذكر قوله هم، كان هو المفيد للحصر بواسطة ما بعده، مع أنه قد يتوهم من عدم ذكره كون المفلحون نعتًا لأولئك فلا يظهر تمام الإسناد فضلا عن الحصر. وأل في المفلحون للعهد الذهني، أي أولئك هم الناس الذين بلغك أنهم مفلحون، أو للحقيقة حقيقة المفلحين، أو للعهد الذكري إذا ذكر من يفلح في غير هذه الآية في السورة النازلة قبل هذه السورة، وإذا تتبعت الكلام وجدت كل كلمة أصلها الأول فاء. والثاني لام دالة على الشق بظهور أو تأويل. كفلق وفلذا وفلى، فكذلك المفلح قد انفتح له وجوه الظفر وانشقت له، وفلق شق، وفلذٌ قطع. وأفلاذ الكبد قطعها. وفلى رأس الكافر ضربه بالسيف، ويكون الفلاح أيضًا في لغة العرب بمعنى البقاء. فيصح تفسير الآية به، أي أولئك هم الباقون في النعيم الدائم، الخالدون فيه، الذين لا ينقطعون عنه أبدا. قال الشاعر:

لو أن حيا مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح

أي مدرك البقاء، غير أنه يحتمل أن يريد بالفلاح الفوز بالمطلوب وهو البقاء فلم يخرج عن تفسير الفلاح بالفوز بالمطلوب. فافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت