وسمع ذلك أبو الدحداح فقال للنبي A: إن لي حديقتين . وأقول العبرة بعموم اللفظ ، وفي الحائظ ستمائة نخلة ، فقيل نزلت الآية ، فعمل بها أبو الدحداح ، وقيل: عمل ما ذكر ، فنزلت فيه كما رأيت وقال بعض . أصحاب ابن مسعود: المراد بالقرض قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، والظاهر إنفاق المال ، ولفظ القرض يتبادر منه التطوع ، ولكن القرض أيضا قرض من حيث إنه تعالى يثيبنا عليه ، والإثابة رد كرد المقترض ، وقيل المعنى إعطاء العبد على أن يؤدي الله عن العبد في الأخرى ، أي من ذا الذي يقرض عباد الله على أن يرد الله عنهم ، فحذف المضاف ، كما قال أبو هريرة عن رسول الله A « يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمنى ، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ، قال: استطعمك عبدى فلان فلا تطعمه ، أما أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ، يا بن آدم استسقيتك فلم تسقنى ، قال: كيف أسقيك وأنت رب العالمينن قال استسقاك عبدى فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ، يا بن آدم مرضت لم تعدنى ، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ، قال: إن عبدى فلانا مرض فلم تعده أما أنك لو عدته لوجدتنى عنده » ولما نزلت الآية قالت اليهود لعنهم الله: بستقرضكم ربكم فهو فقير ونحن أغيناء . فنزل: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} ، ومنذا مبتدأ اسم استفهام مركب أو خبر ، والذي خبر له ، أو منمبتدأ وذا خبره ، أو بالعكس ، والذي نعت ذا أو بدله أو بيانه وقرضًا مفعول مطلق اسم مصدر ، أقرض فهو نائب عن الإقراض ، ويجوز أن يكون بمعنى مقرض بفتح الراء ، وهو المال المقرض ، فيكون مفعولا ثانيا ليقرض ، وعلى الوجه الأول يكون المفعول الثاني محذوف أي مالا أو شيئا ما ، فالحسن في الإقراض إخلاصه وكونه من حلال ويطيب وخالص من المن والأذى ، قيل وتجويده أو تكثيره مما يحبه المقرض ، وقيل المراد كونه من حلال ، وقيل خلاصه من المن والأذى ، وقيل . كونه من حلال وطيب نفس والأولى ذلك كله إلا التجويد والتكثير فلا يشترطان إلا بحسب ما لا يكون إسرافا إلا أنه من تتعمد إلى ما هان عنده ولا رغبة له فيه أو بقى فينفقه ، ويمسك سواه لا يكون منه ذلك قرضًا حسنًا .
{فَيُضاعِفَهُ لَهُ} : أي يضاعف قرضه ، فالهاء للقرض على حذف مضاف ، أي ثواب قرضه ، وجاء بصيغة المفاعلة ، لأنها وضعت لما يفعل في محاولة الغلبة ، وما يفعل في محاولة المغالبة يكون أقوى ، فدلت المضاعفة على إكثار المثل في ثواب القرض بعشر أمثاله فصاعدًا إلى سبع مائة وأكثر ، وضعف الشيء مثلاه فصاعدا ، والمراد هنا عشرة فصاعدًا ، لأن الحسنة بعشر فصاعدا ، ثم تذكرت أن بعد ذلك قوله تعالى:
{أضْعافًا كَثِيرةً} ؛ فهو نص فيما ذكرتن قال السدى: هذه المضاعفة لا يعلم قدرها إلا الله ، وقيل الواحد بسبعمائة ، وقول السدى أولى ، لأن باب الترغيب الإبهام أليق به ، وقرأ عاصم: {فيضاعفه} بالنصب هنا وفي الحديد ، وقرأ بن كثير وابن عامر: {فيضعفه} ويضعف ومضعفة بالتشديد من غير ألف ، حيث وقع ، ولباقون بالألف والتخفيف حيث وقع ، إلا أن ابن عامر بنصب يضعف هنا وغيره ، وغير عاصم برفعه ، وكذا قرأ يعقوب بالتشديد والنصب ، ولست أذكر قراءة نافع ، ومن وافقه ، لأأنها التي أقرأ بها وأجرى عيها ، وإتمام أنبه على ما خالفها إلا ما شاء الله ، ووجه للعطف على يقرض ، ووجه النصب العطف على المعنى ، عطف مصدر يضاعف على مصدر مقدر من المعنى ، كأنه قيل: من الذي يكون منه غقراض الله قرضا حسنا فمضاعفة من الله له ، وأضعافًا جمع ضعف وهو حال منهاء يضاعفه ، أو مفعول ثان ليضاعف ، أي يصيره بالتضعيف أضعافا ، فعداه لاثنين لتضمنه معنى التصيير ، أو مفعول مطلقا على أنه جمع الضعف الذي هو مصدر ، والمصدر ولو كان يصلح للقلة ولكثرة والأنواع ، لكن إذا أريد النص على الكثرة أو النوعية ، جئ به على صيغته ، ومضاعفة الثواب تختلف باختلاف المقرض في قوة الإخلاص واليقين ، وباختلاف المال مثلا في شدة حليته وتجويده وإكثاره باختلاف أنواع الجزاء .