فهرس الكتاب

الصفحة 925 من 7694

{فإذا طعمتم فانتشروا} ، بل من الطعم بمعنى الذوق مثله في قوله:

فإن شئت حرمت النساء سواكم ... فإن شئت لم أطعم تفاخا ولا بردا ... والنقاخ الماء العذب ، أوقع عليه الطعم ، وفيه شبه بالطعام المأكول ، لأنه يصل الجوف من الفم ، وينفع فيه وواقع الطعم أيضًا على البرد ، وهو النهوم وليس فيه نفس ذلك الشبه ، فالمراد بالطعم التناول للقليل من الشيء ، والخطاب في سواكم للنساء تعظيمالهن ، وتصويرًا لكمال عقلهن ، والمراد بقوله: {شرب منه} شرب من ماء النهر بفيه لا بواسطة كوز ويد ونحوهما ، فالمراد الكروع وهو تناول الماء من موضعه بالفم دون واسطة يًا ونحوها ، من قولك كرعت الغنم إذا خاضت الماء حتى أصاب كرعها وشربت ، فمن شرب بيده أو غيرها غارفا من النهر ، لا يقال شرب من النهر إلا مجازًا ولا يحمل على المجاز بلا قرينة ، إذ لا يتصور مجاز بدونها ، وقرأ غير نافع وأبي عمر وبإسكان منى ، ومعنى الآية: فمن شرب بفمه من النهر ، فمن حلف لا يشرب من هذا النهر لم يحنث بالشرب بيد أو إناء أو نحوهما بل بفمه من النهر عند أبي حنيفة ، وقيل يحنث بالغرف ، فإذا عرف أن الشارب من ماء النهر بيده لأأو غيرها يقال إنه شرب من النهر ، فالقسمة مثلثة: الشاربون كرعا ، والذين لم يذوقوا ماءه ، والذين اغترفوا غرفة منه ، فالقسم الأول ليس من أشياعه ، والثاني من أشياعه ، والثالث مرخص لهم فيما فعلوا فقوله:

{إلاَّ مَن اغْترفَ غُرْفَةً بِيدَه} : استثناء من قوله: {فمن شرب منه فليس منى} منقطع لأن قوله: {من شرب منه} لا يشمل المغترف لما مر أنه لا يقال للمغترف من النهر إنه شرب منه ، وإن حمل على عموم المجاز كان متصلا ، وقوله ، {ومن لم يطعمه فإنه منى} معترض بين المستثنى منه والمستثنى ، وجملة الاعتراض مستأنفة في نية التأخير فقدمت من تأخير للاعتناء بها إذ من لم يطعمه أشرف القسمين ولتكميل التقسيم بترتيب مناسب ، لأن مقابلة من كرع وشرب كل الشرب لم يذق أصلا أولى للكمال فيهما ، ولأن عدم الذوق عزيمة والغرف رخصة ، وبيان العزيمة ، أهم ، وأجاز أبو البقاء الاستثناء من قوله: {ومن لم يطعمه} ورد عليه بأن {اغترف غرفة} لا يشمله من لم يطعمه إلا أن يقول الاستثناء منقطع ، أو يدعى الاستثناء من مفهوم ، فإن مفهومه أن من طعمه لا يكون منه رخصا لهم في الغرفة الواحدة لأنها تكفى الواحد منهم بإذن الله لشربه وطعامه وما يحتاج إليه ، وذلك أن الغرفة مصدر للواحدة بفتح أوله ، وبالتآء في آخره وإسكان وسطه ، وهو ثلاث ، ومعناه تناول الماء غرفة ، فغرفة مفعول مطلق نائب عن مصدر الغين ، وفيكون ما اسماء للماء المغروف نفسه لا لتناوله ، وعلى هذه القراءة يكون غرفة مفعولا له لاغترف ، وقيل المفتوح والمضموم لغتان بمعنى المصدر نائب عن قولك اغترافا ، والمفعول محذوف أي إلا من اغترف الماء غرفة ، أي اغترافا ، وقيل لغتان بمعنى الماء المغروف ، فهو على اللغتين مفعول به ، أي القدر الحاصل في كفه بعد الاغتراف ، فبيده متعلق باغتراف ، أو بمحذوف نعت غرفة أي مقدارا حاصلا في يده ، قال ابن عباس رضى الله عنهما: كانت الغرفة الواحدة يشرت منها هو ودوابه وخدمه ، ويحمل منها ، وذلك إما أن يؤذن له في أن يأخذ بيده ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة ، ويكفيه المأخوذ بمرة واحد له لدوابه وخدمه وما يحتاج ، يحمل باقيه وإما أن يأخذ قدر كفه ويكفيه لذلك ، فيكون معجزة للنبي أشموئيل أو كرامة لطالوت أو معجزة وكرامة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت