« قبلت صدقتك » وفي رواية: كان زيد وجد في نفسه فلما رأى ذلك منه النبي A ، فقال: « أما أن الله قد قبلها » وروى أن أبا ذر نزل به ضيف ، فقال للراعى: إيتنى بخير إبلى ، فجاء بناقة مهزولة ، فقال للراعى: لم جئتنى بها؟ فقال الراعى: وجدت خير الإبل فحلها ، فذكرت يوم حاجتم إليه . فقال: إن اليوم حاجتى إليه ليوم أوضع في حفرتى ، وعن مجاهد: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعرى أن يبتاع له جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى ، فلما جاءته أعجبته ، فقال: إن اله D يقول {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون} فأعتقها .
والإنفاق في الآية شامل للتحرير ، فإذا حرتت عبدًا فقد أنفقت نفسه عليه ، وشامل للنفع بالجاه والطاعة والنفع بالبدن والقتالن فقد يقتل في الله فيكون أنفق نفسه في الله . وفي رواية أنه اشترى جارية ، فلما رآها أعجبته فأعتقها ، قيل له: لم أعتقها ولم تصب منها؟ فقال: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وروى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة الأنصاري أكثر رجل مالا بالمدينة من نخل ، وكان أحب مَالهُ إليه برحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله A يدخلها ويشرب من مائها وهو طيب ، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون} قال أبو طلحة: إن أحب مالى بئر حاء ، وأنها لصدقة لله ، أرجو برها وأدخرها عند الله فضعها يا رسول الله صلى الله عليك وسلم حيث شئت ، فقال رسول الله A: « بخ بخ . . ذلك مال رابخ ، يروح بصاحبه إلى الجنة ، وقد سمعت ما قلت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين » ، قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله . فقسمها أبو طلحة على أقاربه ، وبنى عمه ، وأنا هو - بتخفيف النون ، وفتح الهمزة قبلها - وتجعلها هو بالمثناة الفوقية ، وقوله في الأقربين: أراد به أقارب أبي طلحة ، وأفعل: هو مضارع للمتكلم مرفوع ، ولعل قوله يروح بصاحبه إلى الجنة: تفسير من جابر أو من أبي عبيدة ، ثم رأيت أنهُ غير مذكور في صحيح مسلم وكذا لم يذكره القاضي ، وقال القاضي: رابح أو رايح ، وبرحاء: اسم واحد للبستان المذكور - بفتح بائه وكسرها وفتح الراء وضمها - والمد والقصر ، فيعلا أو فيعلى من البراح: وهي الأرض المنكشفةن وليس بئرًا مضافًا إلى حاء ، كما قيل ، والكلام على الحديث مبسوط في شروح الكتب الحديث ، وتلكم عليه الشيخ أبو عمر ، ومحمد بن أبي ستة في حاشية الصحيح ، صحيح الربيع جازاهما الله بالجنة .