فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 7694

{فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} ومادة الحوق تدل على الدوران والتغير والانقلاب والظهور، سواء كانت على هذا الترتيب - ح و ل أم لا، فسمى مايقرب من المستوقد حولا لاستدارته به، وسمى العام حولا لأنه يدور، وحال الشيء واستحال تغير، وحال عن العهد انقلب وتحول إلى مكان، ولاحه السفر غيره، ولاح النجم ظهر، ووحل بالكسر وقع في الوحل وهو الطين، كما أن مادة كمل للقوة ككمل وكلم وملك ومكل ولكم، وجواب لما هو قوله D: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} ، ولم يقل بنارهم مع أنه مقتضى الظاهر، لأن النور هو المراد من إيقادها، ولأن الممثل لهم وهم المنافقون إنما يذهب عنهم نور الإيمان، ويجوز أن يكون جواب لما محذوفًا للإيجاز وأمن اللبس، لدلالة المقام لعيه، وفي حذفه بلاغه كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين على خمودها بعد طلب إيقادها وعلاجه، وإذا قلنا بحذف جوابها كانت الهاء في قوله: {نُورِهِمْ} عائدة إلى المنافقين، وكانت جملة: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} إما بدلا من قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ} مع الجواب المحذوف، وهو بدل نحوى لأن التحقيق ألا يشترط في إبدال الجملة من جملة وجود محل الإعراب للجملة الأولى المبدل منها، ولو قال كثير باشتراطه، وفائدة ذلك البدل البيان، وقد أجاز الزمخشرى والقاضي الإبدال هنا، وهو طبق ما ذكرت من عدم الاشتراط، اللهم إلا أن يراد البدل اللغوي وهو أعم لا البدل الصناعى، وأن معنى البدلية قيام الجملة مقام الجملة التي وقع بها التمثيل في المعنى مع غفادة إيضاح، وإما استئنافًا بيانيا كأنه قيل: ما بالهم شبهت حالهم بحال الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله خمدت، فقيل ذهب الله بنورهم، وليس هذا الوجه ضعيفًا لأن هذا السؤال لا يغنى عنه، فلما أضاءت ما حوله لحذف جواب لما وهو الخمود، وإن قلت: إن زوال نور الإيمان بفعلهم واختيارهم إذا اعتبرناه الفطرة التي فطروا عليه أو تمكنهم منه، فكيف شبه بمن زال نور ناره بلا فعل منه واختيار، بل بإذهاب الله؟ قلت: ساغ ذلك لأن المستوقد للنار هو أيضًا فاعل في زوال نورها بتضييع أو تعمد يعقبه الندم، لكن فعله مخلوق لله D ، فقال: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} أو لأن الإزالة بسبب خفى فنسب لله، سواء كان للمستوقد فيه فعل أو لم يكن، أو لأنها حصلت بأمر سماوى كريح أو مطر، أو نسبت الإزالة إلى الله تعالى نسبة الفعل إلى الفاعل، من حيث إنه فاعل لا إلى الخالق من حيث إنه خالق، وذلك مجاز ومبالغة كما تقول: ذبحه الله مجازًا أو مبالغة، ولك أن تقولك إن المستوقد استوقد نار فتنة وعداوة للإسلام، فأضاءت ترشيح أو نار حقيقة في معصية فأطفأها الله كما عاقبهم بعد اختيارهم ونسبتهم بالخذلان وعدم إلقاء حلاوة الإيمان في قلوبهم، فأطفئ عنهم نور الإيمان، ففى هذين الوجهين اعتبر أن المطفئ هو الله في جانب المشبه والمشبه به، إما إن قلنا زوال نورهم بالموت أو بالافتضاح فالإطفاء في الجانبين من الله D ، والباء للتعدية كالهمزة، إلا أن معها استصحابا وليس مع الهمزة، يقال: ذهب زيد بعمر وأى أذهبه ومضى معه، ويقال أذهبه أي جعله ذاهبًا سواء ذهب معه أم لا، فإذا ذهب معه فليس لفظ أذهب هو الدال على المصاحبة، فعبر بالباء في الآية للمبالغة لدلالتها لعى المصاحبة وذلك مجاز لأن الوصف بالذهاب وصف بالمكان والحيز والانتقال، تعالى الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت