فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 7694

ووجه المبالغة إنما ذهبت به قد أزالته عن موضعه، وحافظت عليه وأمسكته وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وقرأ اليمانى أذهب الله نورهم بهمزة التعدية لا ببائها، فليس فيه مجازية الصحبة، والفرق بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء بما ذكر من المصاحبة مع الباء قول المبرد والسهيلى، ورده ابن هشام بالآية، يعني لأن الله لا يهذب مع شيء، بل يذهب الشيء ويزيله، ويرده ما ذكرت من المبالغة والمجاز، وإنما قال بنورهم ولم يقل بضوئهم مع أن مقتضى اللفظ أن يقال بضوئهم من حيث إنه المذكور في قوله: {فَلَمَّآ أَضَآءَتْ} للمبالغة فينفد إزالة النور عنهم أصلا، ولو قيل بضوئهم احتمل ذهاب ما في الضوء من الزيادة، وبقاء ما يسمى نورًا لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة، ويدل لذلك قوله: {وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ} وإن مقرر مؤكد في المعنى، لقوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} حيث ذكر الظلمة التي هي عدم النور وانطماسه بالكلية ونقيضه، وقيل الظلمة عرض ينافى النور وترك في الأصل بمعنى طربح وخل متعد لمفعول واحد، فضمن معنى صير فتعدى لاثنين كقوله:

فتركته جزر السباع ينشنه ... ما بين قلة رأسه والمعصم

فجزر، بفتح الراء، مفعلو ثان لا حال لإضافته للمعرفة والمضاف للمعرفة معرفة، والحال لا يكون معرفة، بخلاف قوله جل وعلا: {فِى ظُلُمَاتٍ} فيحتمل التعليق بمحذوف مفعول ثان، أ بمحذوف حال والتعليق بترك وجزر السباع شاة لسباع، والجزر الشاة المعددة للذبح، وجمع الظلمة ونكرها ووصفها بأنها ظلمة لا يمكن فيها الإبصار إبصار شيء ما للتعظيم والمبالغة، فذلك أيضًا من مؤكدات قوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم} وقرأ الحسن بإسكان لام ظلمات، وقرأ اليمانى في ظلمة بالإفراد، والظلمات ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة يوم القيامة: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} أو ظلمة الضلال، وظلمة سخط الله تعالى، وظلمة العقاب الدائم، أو كل ذلك، والجمع للتنصيص على الأنواع مجملة، وغلا فالظمة مصدر يصلح لذلك ولو مفردًا ولذا قرأ اليمانى بالإفراد، واشتقاق الظلمة من معنى قولك: ما ظلمك أن تفعل كذا، أي ما منعك، لأن الظلمة تسد البصر وتمنع الرؤية. قاله الزمخشرى والقاضي.

والمشهور أن أصل الظلم معنى النقص كقوله تعالى: {ولم تظلم منه شيئًا} أو معنى وضع الشيء في غير موضعه، كما قال الجوهرى، وقد يجتمع بين ذلك بأن مرادهم المنع عن عدم النقص والمنع عن وضع الشيء في موضعه، ونصر في الأصل متعد ونزل هنا منزلة اللام لعدم تعلق الغرض بمفعوله المطروح، فليس مفعوله مقدرا مبينا الكلام على تقديره ونيته، وجملة لا يبصرون مفعول ثان بعد مفعول، أو لمحذوف حال، أو حال من الهاء كما في ظلمات حال منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت