فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 7694

وقال آخر:

* أصم عما ساءه سميع * ... وقال آخر:

أصم عن الشيء الذي أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد

وقال آخر:

وأضممت عمرًا وأعميته ... عن الجود والفخر يوم الفخار

وكل من لفظ أصم وأبكم وأعمى صفه مشبه لا اسم تفضيل، والآية من باب الاستعارة التصريحية باعتبار كل واحد من لفظ صم ولفظ بكم ولفظ عمى، فتلك ثلاث استعارات أو ذلك كله استعارة تمثيلية، وإنما قلت بأن ذلك من الاستعارة مع كون المشبه والمشبه به كليهما مجتمعين في الكلام، من حيث إن المشبه به خبر للمشبه المحذوف المقدر المجعول من أجزاء الكلام، فكأنه مذكور، أي هم صم بكم عمى، أو هؤلاء صم بكم عمى، لأنه لا فرق عندي في الاستعارة بين عدم كون المشبه من أجزاء الكلام، وكونه من أجزائه مذكورًا أو مقدرًا، إذا لم يقصد المتكلم التشبيه، بل قصد أن امشبه هو نفس المشبه به مبالغة، فقولك في زيد المقدام زيد أسد استعارة وهو مختار السعد، وكذا قال السبكى مؤلف «جمع الجوامع الأصولى في شرح تلخيص القزوينى» بجواز ذلك، إذ قال ما حاصله إنه تارة يقصد في نحو زيد أسد التشبيه بأدة مقدرة فلا استعارة، وتارة لا بقصد فيكون لفظ أسد مستعملا في حقيقته، وذكر زيد والإخبار عنه به قرينه صارفة إلى الاستعارة، فيكون لفظ أسد استعارة، ولا تنافى الاستعارة كونه مستعملا في حقيقته، لأن معنى كونه في حقيقته أنه ليس على طريق التشبيه والاستعارة، إنما هي فيه نم حث إنه على حقيقته وادعى أن زيدًا أسد حقيقته هكذا ظهر في توجيه كلامه، وقال قوم منهم الزمخشرى والقاضي: إن الآية والمثال ونحوهما ليست على الاستعارة، بل تشبيه بليغ، لأن المشبه مذكور أو مقدر الذكر بناء على الاشتراط في الاستعارة ألا يذكر المشبه، ولا يكون محذوفًا مقدرًا من أجزاء الكلام، بل يطوى عنه بحديث يمكن حمل الكلام على المشبه به لولا القرينة، وبحيث يقبل ظاهر الكلام الحمل على الحقيقة، وإذا قلت في الضال السامع بالإذن مجرد السمع إنه أصم لم يكن لعارفه أنه سامع أن يحمل ظاهر الكلام على الصمم الحقيق، وإذا قلت في زيد المقدام زيد أسد لم يقبل ظاهر الكلام أنه أسد حقيقى.

وكذا قول عمران بن حطان C في الحجاج:

أسد على وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر

وتفخاء مسترخية الجناح، والنعامة مثل في الجبن بخلاف قول زهير:

لدى أسد شاكى السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم

فإنه لم يذكر لفظ المشبه ولا نورى ذكره فحذفه، فاحتمل ظاهر الكلام لولا القرينة الحمل على الحقيقة، والقرينة هي لدى، وشاكى السلام أي تامة تجريد عن بعض المبالغة في جعل الشجاع من جنس السبع، لأن تمام السلاح مما يلائم المشبه، وأصل شاكى شائك أخرت الياء عن الكاف فلم تقلب بعدها همزة كما قلبت إذا كانت قبلها، وقد تحذف الياء المنقلبة همزة قبل الكاف فيعرب على الكاف، كما إذا ثبتت، ويحتمل حذفها بعد تأخيرها عنها، وفيه ضعف لان فيه خروجًا عن اللأصل مرتين: التأخير والحذف، غير أن الحذف من الآخر أنسب ولو كان الآخر في نية التقديم، ومقذف مرمى باللجم أي مكثر فيه أو مرمى به في الحروب، وله لبد ترشيح وتقوية للمبالغة، لأنه ملائم المشبه به، فإن اللبد الشعر المتلبد على رقبة الأسد، ومعنى أظفاره لم تقلم لم يعتره ضعف، لأنه يقال فلان مقلوم الأظفار أي ضعيف، ويحتمل أن يكون المراد ظاهره من عدم تقليم الأظفار، فإن السبع لا تقلم أظفاره بخلاف الإنسان فيكون ترشيحًا آخر، وقد تكلمت في شرحى على شرح عصام الدين على البيت، وترى الآيتين بالأمر الفلق، بكسر اللام، أعنى العجيب يعرضون عما يوهم التشبيه إعراضًا إذا أراد إكثار المبالغة، وتأتون بما ينافيها كقول أبي تمام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت