فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 7694

هما أظلما حالى ثمت أجليا ... ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب

فحالى مفعول أظلم، ويحتمل أيضًا كونه ظرفًا فيكون أظلم لازمًا، وهو من المحدثين لا يستشهد بكلامه في اللغة والنحو والصرف ونحو ذلك، لكنه عند قومنا بثقة من علماء العربية، فيجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، كما يقال ذلك في سيبويه ونحوه، يقال لو لم يرووا مثل ما قالوا عن العرب ولم يستمعوا نظيره لما قالوه.

وبحث التفتازاني بأن مينى الرواية على الوثوق والضبط، ومبنى القول على الداراية والإحاطة بالأوضاع والقوانين، والإتقان في الأول لا يستلزم الإتقان في الثاني، والقول بأن قوله بمنزلة نقل الحديث بالمعنى ليس بسديد، بل هو بعمل الراوى أشبه، وهو لا يوجب السماع، والمحدث بإسكان الحاء وفتح الدال الشاعر الذي أحدثه الله - جل وعلا - بعد الصدر الأول من الإسلام، كحبيب بن أوس والبحترى وأبي نواس، ولا يستشهد بكلامهم لأنهم بعد فساد الألسنة، ويقابلهم الجاهليون كامرئ القيس وزهير، والمخضرمون وهم من أدرك الجاهلية والإسلام كحسان ولبيد، والمتقدمون من أهل الإٍلام كالفرزدق وجرير، ويستشهد بكلامهم، أو المحدث، بفتح الحال والدال المشددة

من يلهمه ويلقى الغيب في روعه، أعنى في قلبه كأن أحدًا يكلمهم ويخبرهم، والمحدث، بفتح الحاء وكسر الدال المشددة، من اعتنى بحديث رسول الله - A - من العلماء ينطق به ويعمه الناس، وهما في البيت عائد إلى الدهر العقل، وحالاه حاله الدنيوى والدينى، ومعنى أجليا كشفنا ومعنى عن وجه أمرد أشيب عن وجهى وأنا شاب في السن شيخ أشيب في تجربة الأمور، وأشيب في غير وقت الشيب لمقاساة الشدائد، فنفى ذلك تجريد وأسند الإظلام إلى العقل والدهر، لأن العاقل لا يطيب له عيش والدهر يعادى كل فاضل. والله أعلم.

واختلف المفسرون في المقصود في التمثيل في الصيب المذكور، فقال الجمهور: مثل الله سبحانه وتعالى بالصيب لما فيه من الإشكال على المنافقين من حيث إنهم في ظلمات الكفر والمعاصى، وما فيه من الوعيد والزجر وهو الرعد، ومافيه من الحجج الباهرة هو البرق، وتوفتهم وروعهم وحذرهم وهو جعل أصابعهم في آذانهم، وفضح نفاقهم واستشهار كفرهم، وتكاليف الشرع التي يكرهونها من نحو الجهاد والزكاة هي الصواعق، وعن ابن مسعود: أن المنافقين في مجلس رسول الله - صل الله عليه وسلم - كانوا يجعلون اصابعهم في آذانهم لئلا يستعمون القرآن فيملوا إلى الإيمان، فضرب الله المثل لهم وهو وفاق لتأويل الجمهور، وفي رواية عنه كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت عليهم النعم قالوا: دين محمد دين مبارك، وإذا نزلت بهم مصيبة أو أصابتهم شدة سخطوا وثبتوا في نفاقهم، وعن ابن عباس: كلما سمع المنافقون وظهرت الحجج آنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من القرآن ما يشق عليهم قاموا، أي ثبتوا على نفاقهم، وعن مجاهد: كان المنافقون إذا أصابوا في الإسلام رخاء طابت أنفسهم وسروا، وإذا أصابتهم شدة لم يصبروا ولم يرجوا عافيتها، وعن الحسن: البرق نور الله، وعن ابن عباس: نور القرآن وهما متقاربان أو واحد، وقيل المطر هو القرآن لأنه حياة القلوب، كما أن المطر حياة الأرض، والظلمات ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك والنفاق والرعد ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى، والبيان والوعد ذكر الجنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت