فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 7694

إذا شاهدوا تدريج الشيء من حال إلى حال، وتولد شيء من شيء تدريجًا، تولدًا يستحيل في عقولهم أن يكون بالذات بلا فاعل، وأن يكون بصنع مخلوق، فلو خلق الأشياء بلا سبب ومادة ولا تولد ولا تدرج لم يكن في خلقها من العبر والسكون إلى قدرته العظيمة ما في خلقها الأشياء بسبب ومادة وتولد وتدريح، وذلك حكمة. وجعل الماء الممزوج بالتراب والتراب الممزوج بالماء سببًا في إخراج الثمرات، ومادة لها بأن أفاض صورة الثمار وكيفيتها على المادة الممتزجة من الماء والتراب، أو أبدع في التراب قوة فاعلة وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمر، ونعتقد في ذلك كله أنه لا خالق إلا الله، فكل من القوة التي في الماء وفعلها والقوة التي في الأرض وقبولها مخلوق الله تبارك وتعالى، ومن في قوله: {من الثمرات} للتبعيض لقوله: {فأخرجنا به ثمرات} فإن ثمرات بالتنكير جملة من الثمرات بالتعريف، كما أن رجالا جماعة من الرجال فالثمرات بأل كل، فإنما يفيد بالتبعيض بواسطة من، ويدل على كونها للتبعيض أيضًا توسطه بين المنكرين: ماء ورزق، المراد بهما بعض الماء وبعض الرزق، إذ لا شك أنه لم ينزل من السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر الثمرات كلها، ولا جعل كل الرزق ثمرات، وليس الماء كله يخرج بعض الثمرات فقط، فكأنه قيل فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم، ويجوز أن تكون من للتبيين ومفعول أخرج هو من التبعيضية على القول باسميتها ومحذوف نابت عنه هي ومجرورها على القول بحرفيتها وهو الصحيح، فأخرج به شيئًا ثابتًا من الثمرات، ورزقًا بمعنى المصدر مفعول لأجله، أو بمعنى مفعول أي مرزوق بدل من المفعول الذي هو من أو محذوف أو رزقا بمعنى مرزوق، ومفعول به لأخرج ومن الثمرات حال من رزقا، ولكم نعت لرزقا على أنه بمعنى مرزوق أو مفعول به لزرقا على أنه بمعنى المصدر قوى باللام كأنه ليس رزقا إياكم ولا مانع من كونه نعتا لزرق بمعنى المصدر، ويجوز تعليق لكم بأخرج، ويجوز كون رزقا مفعلولا من أجله لأنزل وهو أعم، لأن المعنى وأنزل من السماء ماء ليكون منه الرزق، وهو يشمل المأكول والمشروب وغيرهما كالملبوس، والثمرات جمع قلة، لأنه جمع بألف وتاء، وإنما ساغ جمع القلة هنا والمقام مقام كثرة، لأن اللفظ ولو كان لفظ قلة لكن المراد الكثرة لأن الثمرات جمع الثمرة، والثمرة بالإفراد مراد به ثمار كثيرة، إما لأجل أل أو من تسميتهم الثمار المتلاحقة الكثيرة ثمرة، كما يقال أدركت ثمرة بستانه فكل مفرد من أفراد الجمع الذي هو قوله الثمرات هو ثمار، فالثمرات بهذا القصد أدل على الكثرة من الثمار الذي هو جمع كثرة، ويدل لذلك قراءة محمد بن السميدع: من الثمرة، بالإفراد، لأن المراد بها الجماعة لا الواحدة، أو استعمل جمع القلة في الكثرة كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت