فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 7694

والذي عندي أن المعنى أنهم يتركون ما أمر الله به ألا يترك ، فيدخل فيه الإيمان بالانبياء كلهم والكتب ، وصلة الرحم ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان . وحج البيت ، وقراءة القرآن ونحو ذلك من أحكام الدين . ووصل كل شيء من ذلك فهو فعله ، وقطعه هو تركه . وأما فعل المحرمات فداخل في قوله بعد ذلك: {وَيُفسِّدُونَ فِى الأَرْضِ} وإن شئت فقل يدخل في قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} فالوصلة بين المكلف والنهي عن المحرامات أن يتبع النهي فيترك المحرمات ، فإذا طرح النهي وراء ظهره واقتحم المحرمات ، فقد قطعه . والأمر في الأعلى أمرًا ، وطلب المساوى كما يسمونه طلب الأعلى من الأدنى ، وقيل يطلقونه على طلب الأعلى من الأدنى ، وأما المساوى فالتماس ، وأما الأدنى فدعاء ، وقيل يطلقونه على طلب الأعلى من الأدنى ، وعلى طلب مدعى العلو على من دونه في ادعائه ، ولو لم يكن كما ادعى ، وأما السماوى: فالتماس ، والأدنى: دعاء ، والأمر الذي هو واحد الأمور مسمى باسم الأمر الذي هو واحد الأوامر ، الذي هو الطلب المذكور ، تسمية للمفعول بالمصدر . فإن الأمر الذي هو أحد الأمور مما يؤمر ب في الجملة ، فالورقة مثلا أمر من الأمور ، سميت لأنه يؤمر بها فتسوى أو تسطر أو تكتب أو تجلد وإن شئت فقل: يشبه الداعي إلى الشيء بأمر يأمر به . ويدل لذلك أنه يقال للأمر الذي هو واحد الأمور: شأن والشأن مصدر في الأصل بمعنى الطلب ، والقصد يقال: شانت شانه أي قصدت قصده ، وشانت شانا أي قصدت قصدا ، فالشان الذي هو بمعنى واحد الأمور بمعنى مشون في الأصل قيل تغلب الاسمية على المعنى المفعولى وأن يوصل في تأويل مصدر مجرور بدل اشتمال من الهاء في به ، وهو أولى لقربه وصراحته في المراد ، ويجوز كونه بدلا من ما ، بدل اشتمال من منوصبا .

{وَيُفْسِدُونَ فِى الأَرْضِ} : بفعل ما نهوا عنه ، كالظلم والزنى والغضب والسرقة وصدر الناس عن الإيمان والاستهزءا بالحق . أو بقطع ما أمر الله به أو يوصل ، وكالإشراك بالله تعالى .

{أُولَئِكَ الخَاسِرُونَ} : أي الذين كان لهم النقص في معاملتهم بأن أخذوا الردئ في الحسن إذ تركوا الجنة وأخذوا النار بتسببهم لها بأعمالهم أو عملوا السوء من الشرك والمعاصى الموصولة إلى النار ، وتركوا الإيمان والطاعة الموصلة إلى الجنة ، فإن العمل الصالح كالوفاء والوصل شيء حسن في نفسه . وأيضًا يوصل إلى أحسن ، وهو رضى الله - جل وعلا - وإلى حسن وهو الحنة ، وعمل السوء خبيث في نفسه ، موصل إلى أمر عظيم جدًا ، وهو غضبه تعالى ، وإلى عقاب غليظ وهو جهنم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت