فهرس الكتاب

الصفحة 2590 من 7694

ومعنى الخلط هنا مجرد الجمع بين العملين ، ولذلك لم يعبر بالباء ، وفي ذلك إفادة أن كلا منها مخلوط بالآخر ، ومخلوط به الآخر ، كأنه قيل: أجمعوا بين العمل الصالح والعمل السييء ومعنى الجمع بينهما فعل كل منهما ، ولو كان فعل الكبيرة يحبط الحسنات حتى أنهما لا يجتمعان كما تقول: جمع زيد بين قراءة القرآن والعلم ، ولو في حال تلفظه بواحد غير متلفظ بآخر .

هذا إجراء الآية على مذهبنا معشر الأباضية ، ولكن الحسنات هنا نرجع بالتوبة ، ولك أن تقول: الواو في معنى الباء كقولك خلطت الماء باللبن أي مزجتهما ، فالقوى يفسد الآخر ، فالسييء هنا يفسد الصالح لقوته ، وقد ورد على الصالح ، وإنما ساغ تأخيره مع أنه المخلوط بالآخر ، لأن العطف بالواو ، ولا تفيد الترتيب ، ولو كان اللفظ بالباء لقيل خلطت عملا سيئا بآخر صالحا ، أو نظر إلى أن المختلطين كل منهما مخلوط بآخر ، وساغ جعل الواو بدل الباء لأنها للجمع ، والباء للإلصاق والجمع والإلصاق من واد واحد .

وقال الشافعية وغيرهم: إن العمل الصالح والطالح إذا حصلا بقيا معا ، فلذلك كانت الآية بالواو ، وهي الجمع بالباء ، لأن خلط الشيء بالشيء مزجه به كاللبن مع الماء ، والله أعلم .

ولما أطلقهم قالوا: يا رسول الله ، هذه أموالنا التي خَلَّفتنا فتصدق بها عنا ، واستغفرنا ، وطهرنا ، وفي رواية قال أبو لبابة: « من تمام توبتى أن أهجر دار قومى التي أصبت فيها الخطيئة ، وأن أتصدق بمالى كله ، وذاك في مقالته لقريظة ، أو في تخلفه ، وكذا قيل عن أصحابه في تخلفهم ، وقال A: » ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا « » فنزل:

{خُذْ مِن أمْوالهم صَدقةً تُطهرهُم وتزكِّيهم بها} أي خذ شيئا منها ، فمن للتبعيض لا كلها ، « وقد روى أنه قال لأبي لبابة وأصحابه: » يجزيكم أن تتصدقوا بالثلث « فخذ من أموالهم الثلث » ، ويروى أنه لما حلَّهم انطلقوا فجاءوا بأموالهم فردها ، فنزل هذا ، فأخذ ثلثها وذلك تكفير لذنبهم ، فإنهم طلبوا منه أن يأخذها ليطهرهم من الذنوب ، ويرفعهم عن الخبث ، ويدعو لهم ، فأمر الله بذلك ، فالمراد تطهرهم عن الذنوب ، أو عن حب المال المؤدى إلى مثل ذلك ، وتزكى بها حسناتهم ، وترفعهم إلى منازل المخلصين قيل: تنمى بها أموالهم .

وزعم قوم أن المراد الصدقة الواجبة لما تابوا وأحسنوا الإسلام أدوها ، وزعم قوم أن هذا كلام منقطع عما قبله ، وأنه في جميع من تلزمه الزكاة ، وعليهما فليست الزكاة واجبة في كل مال على الإطلاق كما بينته السنة ، واستدل أبو حنيفة بالآية على أنه لا زكاة في مال الصبى والمجنون ، إذ لا ذنب لهما يطهر بها ، ويرده أنه لا يلزم من انتفاء سبب المعنى انتفاء الحكم مطلقا ، وجملة تطهرهم نعت لصدقة ، والضمير المستتر للصدقة وهو الرابط ، أو النبي A ، فالرابط محذوف ، أي بها دل عليه ما أبعد على التنازع أو هو المذكور في قوله: {بها} ويقدر مثله لتزكى ، ولكن تعلق المذكور بتطهر ، وتقدر ضمير تزكى الصدقة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت