وروى انه [ لما ] سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته: أين القميص؟ فأعطوه ، فألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص ، وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا ، أكل ابنى ولم يمزق عليه قميصه .
وروا أنه لما رأى الدم على القميص بكى ، ولما قلبه ضحك ، قالوا: يا أبانا الضحك والبكاء في موضع واحد من فعل المجانين ، فقال: أما بكائى فعلى الدم صحب القميص ، لما رأيت الدم توهمت أن الذئب أكله ، ولما رأيت القميص صحيحا رجوت أن الحديث غير صحيح ، لأن الذئب إذا أكل الإنسان يمزق قميصه .
وروى أنه قال لهم: ائتونى بالذئب الذي أكله إن كنتم صادقين ، فعمدوا إلى ذئب فصادوه .
وروى لما رجعوا إلى مراعيهم من الغد ، قال بعضهم لبعض: هل رأيتم ما كان من تكذيب أبيكم البارحة ، فإذا أردتم أن يصدقكم فتسير إلى الجب فنخرج يوسف ، ونفرق بين أضلاعه ولحمه ، ونأتيه به ، فقال: يهودا: يا إخوتاه أين العهد الذي بينى وبينكم ، لئن فعلتم الأخبرن بعقوب بما كان منكم ، ثم لأكونن لكم عدوًا ، فتركوه ، وكان يهودا راحما به ، يتيه ليلا يؤنسه ويطعمه ويسقيه ، فيقول يوسف: لا بأس بى ، فيقول: فما بكاؤك؟ فيقول: حزنا على بكاء أبي وأختى ، وحزنهما علىَّ ويسأله عنهما .
ولما قال لهم: ائتونى بالذئب عمدوا إلى حبالهم وعصيهم ، وعمدوا ألى الصحراء فاصطادوا ذئبا فشدوه وأوثقوه كتافا ، ثم حملوه إلى يعقوب فتركوه بين يديه ، فقال: حلوا قالهن فحلوه ، فقال له يعقوب: أيها الذئب أكلت قرة عينى ، وثمرة فؤادى ، وحبيب قلبى ، لقد أورثتنى حزنا طويلا ، فتكلم الذئب بإن الذه تعالى فقال: لا وحقّ شيبتك يا نبي الله ما أكلت لك ولدا ، وإن لحومكم ودماءكم معاشر الأنبياء محرمة علينان وإني لمظلوم مكذوب علىَّ ، وإني ذئب غريب من بلاد مصر ، فقال له يعقوب: ما الذي أدخلت أرض كنعان؟ فقال له: أنا ذئب غريب أتيت من أرض مصر في طلب أخ لي ، فما أدرى أحى هو أم ميت .
وروى أنه لم يطالبهم أن يأتوا بالذئب ، ولكن قالوا: نأتى به؟ فقال: نعم ، ولم يعلموا أن الذئب ينطق له ، فاصطادوا ذئبا فكسروا رباعيته فحملوه بسلسلة نحوه ، فقال: بئس ما فعلت ، أكلت وجها كالقمر المنير ، أما رحمت ذلك الصغير؟ أما أشفقت على هذا الشيه الكبير؟ فأنطقه الله فقال: السلام عليك يا نبي الله ، إن لحوم الأنبياء محرمة على جميع السباع وأنا برئ مما توهمت ، والله تعالى بينى وبين أولادك ، قالوا علىَّ الزور ، أما قروءا في صحف إبراهيم أن: الزور والبهتان عظيم .
فتحير يعقوب ونكس أولاده رءوسهم ، ثم قال: أيها الذئب من أين أنت؟ قال: أنا غريب من أرض أصبهان ، جئت في طلب ولد لي فارقنى ودخل بلاد الشام ، فلقيت الذئاب فأخبرونى أنه اصطاده ملكهم على أن يذبحه غدا ، ولى سبعة عشر يوما ما ذقت طعاما من حرقتى عليه ، فبكى يعقوب وقال: إذا حزن الذئب على الفراق فكيف أطيق أنا الفراق؟ ثم قال: هل عندك خبر يوسف؟ قال: نعم ، قال: أخبرنى .