وهو النبي محمد ، A ، وذلك أن تمييز الشيء وإظهاره من غيره لأحد أو لشيء مسبب عن العلم به ، والعلم به سبب له ، وهذا كما قال جلا وعلا: {يَميزَ الله الخَبيثَ من الطَّيب} إلا أنه قدم الطيب هنا ، ويدل قبل لهذا قراءة من قرأ إلا ليعلم بالمثناة التحتية والبناء للمفعول ، وليست متعينة عندي للدلالة له لجواز أن يراد ليعلم الله بالوجه الأول ، وبالقول الثاني باحتماليه ، وعلى قراءة نعلم بالنون ، وقراءة يعلم بالمثناة التحتية والبناء للمفعول رفق بعباده ، إذ أسند علم معائبهم لنفسه ، أو أراد لتعلموا بعد جهل فأسند العلم لنفسه رفقًا بالمخاطبين .
وأما أن يقال إلا لنعلم بمعنى إلا لعلمنا السابق ، فلا يجوز ، لأن أن تخلص المضارع للاستقبال وعلى كل حال ، فالآية تدل على أن أمر القبلة امتحان وفتنة للناس ، وأن أصل القبلة الكعبة إذ صرفه الله عنها ليظهر من كفار قريش أنهم لا يتبعونه في الصلاة إلى بيت المقدس ، إذ لم يألفوا إلا الكعبة ولما صلى بالمدينة إلى بيت المقدس قالوا رغب من قبلة آبائه وآبائنا ، وقال الضحاك: ليظهر من اليهود أنهم لا يتبعون محمدًا ، A ، في دينه ، إذ قالوا: لو صلى محمد إلى قبلتنا بيت المقدس لآمنا به ، فصرفه الله إلى بيت المقدس ولم يؤمنوا ، وقد علم الله أنهم لا يؤمنون ، ويجوز أن يراد ليظهر من قريش ما يظهر ، ومن اليهود ما يظهر ، وليظهر من اليهود والمنافقين ما ظهر ، وهو أنهم قالوا: لو كان رسولا ما ترك قبلة إبراهيم وكذبوا ، إذ قبلة إبراهيم عليه السلام الكعبة ، وقالوا ترك بيت المقدس اشتياقًا لبلده ، وقالوا: لو كان نبيا ما تردد في القبلة ، وأكثروا في ذلك حتى ارتاب بعض المؤمنين فنزلت الآية مبينة أن صرفه إلى بيت المقدس بعد الكعبة ، أو صرفه عن بيت المقدس إلى الكعبةن أو كل ذلك إنما هو للامتحان ، وما كان لعارض يزول بزواله ، فلما امتحنوا باستقباله بيت القمدس فلم يؤمنوا رجع لأصله وهو الكعبة ، والعلم بمعنى المعرفة ، فمن موصولة للعموم مفعول لعلم ، ولا ينصب مفعولا ثانيا ، وهذا على القول الثاني وغيره ، لا على الوجه الأول ، إذ لا يقال الله عارف ، ولا عرف الله كذا ، لأن المعرفة الإدراك المسبوق بالجهل ، والله منزه عنه ، وقيل يجوز إطلاق المعرفة في حقه ، مثل أن تقول يعرف الله كذا ، على أنها بمعنى عدم الجهل بلا قيد سبق الجهل فتحد في صفة الله على العلم الذي لا جهل قبله ، وقد قال التفتزانى إنها استعملت صفة الله تعالى في كلام رسوله ، A ، والصحابة وأهل اللغة ، ويجوز أن يكون العلم على أصله وله مفعولان ، هما من يتبع الرسول على أن من استفهامية مبتدأ ، ويتبع خبر ، والجملة سدت مسد مفعولى نعلم معلقا بالاستفهام ، أو هما من ومتعلق ممن ينقلب على أن من موصولة ، ويتبع صلته أي إلا لنعلم من يتبع الرسول متميزًا ممن ينقلب ، وإن قلت فعلى وجه الاستفهام والتعليق فيم يتعلق ممن قلت يجوز تعليقه بمحذوف حال من المستتر في يتبع ولا بيتبع لأنه لا يصح المعنى معه ولا بنعلم لكون ما بعد الاستفهام لا يتعلق بما قبله .