فهرس الكتاب

الصفحة 767 من 7694

وقد جرد ابن العربي الأندلسى المالكى تلميذ الغزالي في المسجد الحرام على الأول في كتاب له سماه « أحكام القرآن » إذ قال: قوله تعالى: {فَلاَ رفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} ، أراد نفيه مشروعًا لا موجودًا لإإنا نجد الرفث فيه ونشاهده ، وخبر الله سبحانه وتعالى لايقع بخلاف مخبره . انتهى . لكن فيعبارته اختصارًا ، أراد فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ، وأراد نجد الرفث والفسوق والجدجال ونشاهدها ، ويحتمل الوجه الثالث ، لكن لم أقتصر على قوله نجد الرفث ، لوم يذكر الفسوق ، وكذا حمل القفال - وهو من الشافعية - الآية على النهي إذ قال: ويدخل في هذا النهي ما وقع نم بعضهم من مجادلة النبي A حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة ، فشق ذلك عليهم وقالوا أنروح إن منى ومذاكيرنا تقطر منيا ، وإن قلت الفسق والجدال غير الجائز محرمان في الحج وغيره ، وكذا الرفث غير الجائز ، قلت: نعم لكن ما قبح في غير الحج كان في الحج أقبح ، لأنه عبادة مختصة خارجة عن العادة ، ومقتضى الطبع ، ألا ترى منع تغطية الرأس ولبس المخيط والطيب ونحو ذلك ، ولأنه كالذهاب للآخرة ، وكشأن مواقف الآخرة ذلك كلبس الرجل الحرير في غير الحرب ، وفي غير ضرورة فإنه قبيح ، ولبسه في الصلاة أو في الحج قبح ، وكمد الصوت في القراءة واللفظ لزيادة التحسين حتى تخرج الحروف عن هيئتها ، فإن هقبيح ولا سيما بالقرآن ولا سيما في الصلاة .

{وما تَفْعلُوا منْ خَير} : كالصدقة وسائر العبادات الواجبة وغير الواجبة .

{يَعْلَمْهُ الله} : فيجازيكم عليه ، فحذف الفاء ومعطوفها ، أو كَنَّى بالعلم عن المجازات ، لأنه سببها وملوزمها ، وذلك حث فعل الخير عقب الزجر عن الشر؛ ليفعلوا الخير مكان الشر عمومًا ، ويحسنوا الكلام بدل الرفث ، ويبروا مكان الفسق ويافقوا على الصواب ، ويتخلقوا بالصواب عوض الجدال ، ويجوز أن يراد بفعل الخير: ترك الرفث والفسوق والجدال ، أو ترك ذلك ، والوفاء بمناسك الحج ، والتعميم أولى ، روى أسامة بن زيد عن النبي A: « من صنع إليه معروفًا فقال لفاعله جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء » رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة ، ونحو هذا قوله A للأنصار حين أووه ونصروه وقاتلوا معه ، وقاسموا الأموال للمهاجرين وقالوا المنة لله ورسوله علينا: « ما رأينا كالأنصار » وإن قلت: هو عالم بالخير والشر ومجاز عليهما معًا فلم ذكر الخير وحده؟ قلت: لأن المقام مقام جلب للخير بعد الزجر عن الشر ، وللإشعار بأنه كريم جواد ، ألا ترى أن الجواد الكريم من الناس كيف يذكر الخير ويجازى به أضعافًا ويفضى عن الشر والجزاء به .

{وتَزَوَّدُوا} : اكتسبوا الأعمال الصالحات وتحفظوا عما يفسدها ، توافوا بها القيمة كام يتحفظ الإنسان على زاده في سفره ليلا ينقطع به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت