وليست الأحاديث التي ذكر فيها الوقوف عند الجبل مفسرة للمشعر الحرام المذكور في الآية ، كالحديث السابق عن جابر ابن عبد الله ، وكما روى عنه أن رسول الله A دفع حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئًا ثم اضطجع حتى طلع الفجر حتى تبين له لاصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فاسقبل القبلة فدعا وكبر وهلل ، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، ودفع قبل أن تطلع الشمس ، رواه البغوى ولم يذكره البخارى ولا مسلم ولا الترمذي ولا النسائي ولا ابن ماجه ولا البيهقى ولا الطبرانى ، وروى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد بلاغًا عن أبي أيوب الأنصاري: صليت مع رسول الله A في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا ، وروى الربيع عن أبي عبيدة أنه لما تم حجه صلى الله عليه سولم خطب الناس بعرفة فقال: « إن أهل الشرك والأوثان يدفعون من عرفات إذا صارت الشمس على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم ، وإما لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويفطر الصائم ، وندفع من المزدلفة غدًا إن شاء الله قبل طلوع الشمس هديًا مخالفًا لهدى الشرك والأوثان » ، قال طاووس: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة إلى غروب الشمس ، وقدم الإفاضة من المزدلفة عن طلوعها ، وثبير جبل بمكة ، والمعنى ادخل يا ثبير في الشروق كى ندفع للنحر ، يقال أغار أي أسرع ودفع في غدوه . وروى البخارى عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ، ويقولون أشرق ثبير ، فخالفهم النبي A فأفاض قبل طلوع الشمس .
{واذْكُروهُ} : بالتوحيد والتعظيم وسائر الأذكار .
{كَمَا هَداكُم} : مناسك الحج ومعالم دين الإسلام ، قال ابن هشام التعليل بالكاف في الآية ظاهر ، أي لأجل هدايته إياكم ، وما مصدرية ، قاله جماعة وهو الأظهر . وزعم الزمخشرى وابن عطية وغيرهما كابن برهان ، أن {ما} كافة ، ورد ابن هشام بأن فيه إخراج الكاف عما ثبت لها من عمل الجر لغير مقتض ، قال زكرياء وفيه نظر . قلت: الحق ما قال ابن هشام ، لأن الجر بالكاف أصل ، وإلغاءها فرع بإجماع ، فكيف يدعى خروجها عن الجر يجعل ما كافة دون دليل مع إمكان إبقائها على الأصل بجعل ما مصدرية ومجئ الكاف للتعليل مذهب قوم ، ونفاه الأكثر ، أثبته بعض بشرط أن تكف بما قال ابن هشام الحق جوازه في المجرة من ما نحو: {وبكأنه لا يفلح الكافرون} أي أعجب لعدم فلاحهم ، وفي المقرونة بما الكافة كحكاية سيبويه ، كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه ، وبما المصدرية نحو: {كما أرسلنا فيكم رسلوا} .