الْمُتَابَعَةَ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ. وَلأَِنَّهُ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ الْتَزَمَ الْقُدْوَةَ فِي كُل صَلاَتِهِ وَفِيهِ إِبْطَال الْعَمَل (1) ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (2) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الصَّلاَةَ صَحِيحَةٌ لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أَيْ كَرَاهَةِ الْمُفَارَقَةِ -، وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ عَلَى صِحَّةِ صَلاَةِ الْمَأْمُومِ مَعَ الْمُفَارَقَةِ بِأَنَّ صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ إِمَّا سُنَّةٌ عَلَى قَوْلٍ وَالسُّنَنُ لاَ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إِلاَّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَإِمَّا فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ فَكَذَلِكَ إِلاَّ فِي الْجِهَادِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلأَِنَّ الْفِرْقَةَ الأُْولَى فَارَقَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ (3) ، وَعَلَّل الْحَنَابِلَةُ الصِّحَّةَ - كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ - بِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَوْ نَوَى كَوْنَهُ مَأْمُومًا لَصَحَّ فِي رِوَايَةٍ. فَنِيَّةُ الاِنْفِرَادِ أَوْلَى، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ قَدْ يَصِيرُ مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَهُوَ الْمَسْبُوقُ إِذَا سَلَّمَ إِمَامُهُ، وَغَيْرُهُ لاَ يَصِيرُ مَأْمُومًا
(1) البدائع 1 / 223، والشرح الصغير 1 / 450، ومغني المحتاج 1 / 259، والمغني 2 / 233، والإنصاف 2 / 31.
(2) سورة محمد / 33.
(3) حديث: مفارقة الصحابة في الصلاة للنبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه البخاري (فتح الباري 7 / 421) ومسلم (1 / 575 - 576) .