النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَجِبُ قَصْدُهُ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ (1) وَقَالُوا: إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّذْرِ هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يَدْخُل فِيهِ إِلاَّ مَا كَانَ قُرْبَةً، وَمَوْضِعُ الاِعْتِكَافِ لَيْسَ قُرْبَةً؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعٌ تُؤَدَّى فِيهِ الْقُرْبَةُ، وَلِهَذَا فَلاَ يَدْخُل الْمَكَانُ الْمُعَيَّنُ تَحْتَ النَّذْرِ، وَلاَ يَتَقَيَّدُ بِهِ النَّاذِرُ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ فِي النَّذْرِ (2) .
وَأَضَافُوا: إِنَّ النَّذْرَ مُوجِبٌ لِلْقُرْبَةِ وَتَخْصِيصُ الْعِبَادَةِ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأَِحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ، فَتَخْصِيصُ الْعِبَادَةِ بِمَكَانٍ بِالنَّذْرِ مَلْغِيٌّ، وَيَلْزَمُ النَّذْرُ بِالْقُرْبَةِ (3) .
الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: يَرَى أَنَّ مَنْ عَيَّنَ لاِعْتِكَافِهِ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِهِ، وَلاَ يُجْزِئُ النَّاذِرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ أَفْضَل مِنْهُ، قَال بِهَذَا زُفَرُ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ (4) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الاِتِّجَاهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُفِنَ فِي خَيْرِ الْبِقَاعِ، وَقَدْ نَقَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَكَّةَ
(1) المهذب مع المجموع 6 / 479.
(2) بدائع الصنائع 6 / 2889.
(3) فتح القدير 4 / 26، ورد المحتار 3 / 71.
(4) فتح القدير 2 / 104، وبدائع الصنائع 6 / 2889، والمغني 3 / 215.