يَكُنْ مُؤَدِّيًا مَا عَلَيْهِ، فَلاَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ (1) وَبِأَنَّ إِيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا كَانَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ أَدَاءَهُ مُقَيَّدًا بِمَكَانٍ فَلاَ يَجُوزُ أَدَاؤُهُ فِي غَيْرِهِ، كَالنَّحْرِ فِي الْحَرَمِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَكَذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ (2) وَبِأَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّلاَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَدْ نَذَرَ بِزِيَادَةِ قُرْبَةٍ، فَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ، فَإِنْ أَدَّى الصَّلاَةَ فِي غَيْرِهِ كَانَ آتِيًا بِغَيْرِ مَا نَذَرَ (3)
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: يَرَى مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّلاَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ، وَلاَ يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَل مِنْ مَكَّةَ، وَثَوَابُ الْعَمَل فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْعَمَل فِي مَكَّةَ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّلاَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يُجْزِئُهُ كَذَلِكَ الصَّلاَةُ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ؛ لأَِنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ أَفْضَل مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْكَعْبَةِ
(1) بدائع الصنائع 6 / 2889.
(2) المصدر السابق.
(3) فتح القدير 4 / 26.