{أَو تُقَطَّعَ أَيدِيهِم وَأَرجُلُهُم مِّن خِلافٍ} : تقطع أيديهم اليمنى من الرصغ ، وأرجلهم اليسرى المفصل ، إن أخذوا المال ولم يقتلوا ، ومن للابتداء متعلق بيقطع ، أي يوقع التقطيع من جهة مخالفة أو للمصاحبة فتعلق به ، أو لمحذوف حال من أيديهم وأرجلهم .
{أَو يُنفَوا مِنَ الأَرضِ} : أن اقتصروا على اخافة الناس ، ومعنى نفيهم عندنا سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز أن يطالبهم الامام ليقيم ، عليهم الأدب أو النكال ، والتعزير بحسب ما يظهر له فيهربون ، وكلما وصلوا بلدًا جرى فيها حكمه طالبهم منه ، فلا يؤمنوا في بلد ، فان تمكن منهم أخرج منهم الحق .
وقال ابن عباس ، والليث بن سعد ، والشافعي: ينفيهم بالاقصاء الى البلاد البعيدة حتى تصح توبتهم ، والأرض هي الأرض التي فعلوا فيها ذلك ، وقيل: وكانوا ينفون الى دهلك بلد بأقصى تهامة وناصع من بلاد الحبشة .
وقال أبو حنيفة: النفى من الأرض الحبس لأن المحبوس منع من الأرض كلها الا موضع حبسه ، فهو نفيه كالميت في قبره ، وتعبه الكوفيون في ذلك ، وحكى عن عمر بن الخطاب أنه أول من حبس وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة ولا أنفيه الى بلد آخر فيؤذيهم .
وعن مالك: إن خيف جانبه حبسه الامام في البلد القريب ، والا أبعده من الارض ، وتفسير الآية بما ذكرته من التفصيل المذكور هو تفسير الجمهور ، وهو مذهب أصحابنا ، وقال عمروس: أو للتفصيل كذلك الا أنه جعل التفصيل في قوله: {أَو يُنفَوا مِنَ الأَرضِ} على غير طريق التفصيل المذكور ، لأنه رد الضمير في ينفوا المحاربين والساعين في الأرض فسادًا الا باعتبار أنهم أخافوا الناس ولم يذكر هو الاخافة ، بل باعتبار أنهم فعلوا ما مر من موجب التقتيل أو التقطيع أو الصلب وهربوا ، قال: وانما النفى الذي ذكره الله فهو أن يطلهبم الامام والمسلمون باقامة ما حكم الله بينهم وعليهم من القتل والقطع والصلب فيهربوا ، فلا يؤمنون في شيء من بلاد المسلمين .
قال: ولا يحل ما يقول من زعم أن النفى هو الحبس ، وقال: من أصاب الأموال والأنفس لم يكن مشركا قتل ولم يصلب ، ومن أصاب الأموال فقط قطع رجله اليسرى ويده اليمنى موحدًا أو مشركًا ، وان أصاب مشركًا مالا ونفسًا قتل وصلب ، ولا يصلب أحد من أهل الاقرار ، وتوجيه تفسير الجمهور المتقدم ظاهر ، لأن القتل بلا قطع طريق عمدًا يثبت القتل قصاصًا ، فغلظ في قاطع الطريق ، بأن كان يقتله حدًا لا يسقط بعفوا الولى ، وأخذ المال سرقة يوجب القطع بلا قطع طريق ، فلغظ في قاطع الطريق بأن تقطع مع يده رجله من خلافن وان جمعوا بين القتل والمال جمع الصلب في ممر الناس تشنيعًا ، والقتل وان اقتصروا على الاخافة خفف الشر عنهم بأن ينفوا فقط ، لنزول الاخافة .