* ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
إنك ذكرت ثمانية أسياف ، تريد أكثر جمع القلة ثمانية ، وإذا صح عن الأعرابية تحقق أن أقل جمع القلة ثلاثة ، وأكثره ثمانية ، لأنها أعرف بما هنالك ، ولو قال ثلاثة أقراء لكان جمع قلة ، وقد قرأ به الزهرى ، وعما عبر بجمع القلة في قوله: {بأنفسهم} ، وقوله في: {أرحامهن} ، ولعل الحكمة في التعبير بالقراء بصيغة الكثرة قلة استعمال لفظ أقراء ، حتى كأنه معدوم ليس للقرء قرء ، أو الحكمة كثرة النساء ، فهناك الآف أو أقل قرء ، ولو كان لكل واحدة مطلقة ثلاثة أقراء فقط ثم إن أصل القرء الجمع قدم الحيض مجتمع في البطن حال الطهر ، وفي الرحم حال الحيض ، وكذا الطهر يجتمع حال الحيض في البطن ، وحال الطهر في الرحم ، وقيل أصله الوقت ، يقال رجع القرء ، أي لوقته الذي هو فيه ، فقيل أصله الانتقال نم الحيض إلى الطهر ، وبه قال أبو حنيفة وقيل بالعكس ، وبه قال الشافعي ، قال أبو عبيدة ، القرء في الأصل الانتقال من حال إلى حال .
{وَلاَ يحلُّ لَهنَّ أنْ يكْتُمْن ما خَلَقَ اللّهُ فِى أرْحامِهنَّ} .
من حمل أو حيض أو طهر ، فقد ترغب في الرجعة أو الإرث من زوجها ، أو تحب أن يرثها ، أو في النفقة فتكتم الطهر ، وقد تكرهها أعنى الرجعة . أو تحب أن تزوج غيره ، أو ألا يرثها ، فتقول قد انقضت الحيضة الثالثة وطهرت ، وكذا في كتم الحيض ، وإثباته كذبًا ، وكذا الولد تزعم أنه في بطنها لتنفق أو ليراجعها إن شاء تتركه للتتزوج ، ولما كان الوصل إلى ذلك متعذرا على الرجال ، أو متعسرا ، جعل الله المرأة أمينة في ذلك ، وجعل القول قولها بلا يمين ، وذلك فيه ممكن في صدق قولها ، وذلك أن أقل الحيض على الأصح ثلاثة ، وأقل الطهر على الأصح عشرة ، فذلك تسعة وعشرون يومًا ، وما الشافعي اثنان وثلاثون يومًا وساعة ، لأنها عنده يحمل أمرها على أنها طلقت طاهرًا بحاضت بعد ساعة يومًا وليلة ، وذلك أقل الطهر عنده ، ثم طهرت خمسة عشر يومًا ، وهي أقل الطهر عنده ، ثم طهرت خمسة عشرة يومًا ثم رأت الدم فإن أدعت أنقضاء عدتها دون تسعة وشعرين ويما لم يتصدق ، وكذا عند الشافعي فيما دون اثنين وثلاثين وساعة ، وما ذكرته من التعميم أولى مما قيل عن ابن عمر ومجاهد: ما خلق الله في أرحمامهن الحيض والحمل ومما قيل عن قتادة وابن عباس: إنهْ الحمل أو كتمانه سبب نزول الآية إذ كانت المرأة تكتم الحمل في الجاهلية لتلحقه بالثاني ، ولما كن مؤمنات في ذلك مع شدة ميلهن لقلة عقلهن إلى ما يرغبن فيه هددهن الله تعالى بقوله D:
{إنْ كُن يُؤمِنَّ بِاللّهِ واليوْم الآخِرِ} : حتى إن من كتم منهن فكانها منكرة بالله واليوم الآخر إذا لم تراع أن الله عليم بما فيها ، فيعاقبها في اليوم الآخر مع أنها قد أقرت بالله واليوم الآخر إن كانت مسلمة أو كتابية فكأنه قيل إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر حق الإيمان ، ولا يتصور من كتابية حق الإيمان ما دمت مشركة ، وصح ذلك لأن المراد التهديد ، فالإيمان بالله واليوم الآخر فرض على كل أحد ولا يحل في الإيمان ذلك الكتمان ، فمن كتم فليس مخلصة لإيمانها .