فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 3657

أما المسلم الذي يصبر على البلاء، فهو في أمان من هذه البلايا، ثقة منه بالله وواسع رحمته، وعظيم مثوبته على ما نزل به من بلاء، وعظيم ما عند الله من خير للصابرين في دنياهم وأخراهم، يقول الله تعالى مشيرا إلى ذلك كله: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون".

فقد جمعت هذه الآيات بين الخوف وهو متعدد الأشكال والألوان، فهو يتسع للخوف من الأعداء، والخوف من الأمراض، والخوف من المجهول، وغير ذلك وبين الجوع وخطره معروف، والكثير من الناس في زمننا هذا وفي غيره من الأزمان يموتون من الجوع، ويتعذب الكثيرون من الجوع إن لم ينته بهم إلى الموت، ونقص المال بالخسارة في التجارة والصناعة والآفات في الزراعة معروف، ونقص الأنفس بفقد الأحبة بالموت، وفقد بعض أعضاء الجسم وقواه بالمرض، كل ذلك واقع وشائع بين الناس.

ثم تذكر هذه الآيات أن علاج جميع الحالات السابقة التي تنزل بالإنسان فتزلزل بنيانه وقد تقضي عليه، هو الصبر، فمن صبر ظفر، والله سبحانه وتعالى يقول بعد ذكره ما يمتحن به عباده من ألوان البلاء: "وبشر الصابرين" بشارة يثمرها الصبر، والبشارة تقاس بالمبشر بها، وبشارة من الله الملك الحق المبين الذي لا تنفد خزائنه، دونها كل بشارة من مخلوق، ولو كان ملكا متوجا، هذا مع قوله سبحانه: "إن الله مع الصابرين".

فمعية الله تذهب بالحزن من القلوب وتذهب بالخوف منها كذلك، وتملأ القلوب أمنا وأمانا واطمئنانا.

والصابر إذا نزلت به مصيبة عبر عن صبره الذي وقر في قلبه بقوله: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

ومع تلك العقيدة التي يمتلئ بها قلب المسلم الصابر بأن الكل خلق الله وأن كل مخلوق لابد راجع إلى مولاه، مع تلك العقيدة يمتلئ قلب المؤمن رضا عن قضاء الله وقدره، فلله ما أعطى وله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار.

ويذكر الله سبحانه في تلك الآيات أن الصابرين يفوزون بثلاث ثمرات: أولاها: أنهم عليهم صلوات من ربهم، أي غفران من الله لهم وثناء عليهم.

ثانيها: أنهم عليهم رحمة من ربهم، وهي ما يكون مع المصيبة من لطف الله بهم.

ثالثها: أنهم مهتدون إلى الحق والصواب فيما ينبغي عمله في أوقات الشدائد فلا يستحوذ الجزع على نفوسهم ولا يذهب البلاء بالأمل من قلوبهم.

ومن ثمرات الصبر محبة الله للصابرين، قال تعالى "وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين".

لئن كانت شرعتنا الحنيفة أوصت عموم المؤمنين ، بامتثال قيمة الصبر ، والتحلي به فيما حزبهم من أمور ؛ كالصبر على المأمور والمحذور والمقدور ، فإنها اختصت جحافل المجاهدين بأحوال من الصبر المستبين ، فكان أن أوصتهم بالصبر: قبل نشوب المعركة واحتدام الصراع ، وبالصبر في خضم النزال والقراع، وبالصبر عقب جولة جهادية صار غبارها الى انقشاع .

فهذه أحوال ومقامات من الصبر ينعقد بنواصيها حكم بالغة نيرة ، وثمرات

طيبة خيرة .

أما الصبر قبل نشوب المعركة فأثبته قوله تعالى لسيد المجاهدين صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين ، بنص قرآني مبين . (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم) . [ سورة الأحقاف آية35 ]

فالوصية بالصبر في هذه الآية الكريمة حملت للمجاهدين بين طيّاتها لمسة تربوية بارعة ، مؤداها أنها تضبط مشاعرهم ، وتهذب عواطفهم ، وتمحص مواقفهم ، وتصفي نواياهم وطواياهم وسرائرهم ؛ فصولاتهم وجولاتهم الجهادية لاتتأتى من باب ردود الأفعال ، إنما من جهة إرضاء الكبير المتعال ، فهي ليست رهينة حظوظ النفس ، إنما من الظلام تقتص ، تلقنهم ومن شايعهم ومشى ممشاهم أعظم درس ، فدماؤها وأرواحها في سبيل الله ترخص ، إعلاء لراية التوحيد ، وتخضيدا لشوكة الشرك العنيد .

واذكر للدعاة في فلسطين حقبة زمنية ، انحازوا فيها إلى تربية النشئ على التوحيد وصبغتهم بصبغة الكتاب والسنة ، فكان أن تطاولت عليهم الألسنة ، فانبرى فريق يزاود عليهم ، وراح يتمطى أن شهر في وجه يهود الأسنة ، مروجين أن الدعاة بصنيعهم هذا إنما تثاقلوا عن دروب الجهاد والاستشهاد ، ونأوا بأنفسهم عن نصرة العباد ، وتخاذلوا عن تحرير البلاد …!!

فما لبثت هذه الأصوات أن خمدت ، حينما أتى على الناس زمان تناحر فيه حملة السلاح ، وأثخنوا فيما بينهم الجراح ، فتبين حينها أن العقيدة هي التي توحد السواعد وليست البندقية ، وثبت أنه ليست القضية الهرولة إلى حمل البندقية ، إنما هي النفوس الأبية التقية ، التي ينبغي صناعتها وإشباعها بالمبادئ النقية ، وإفعامها بالقيم القوية ، لتغدو لدماء شهدائها وفية ، ويظل شعارها المنية لا الدنية ، فمهما ادلهمت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت