وانتصر الإسلام وارتفع لواء التوحيد ودخل الناس في دين الله أفواجًا. وفي مناخ النصر العظيم.. كانت هي سيدة غمرتها السعادة الكبرى بانتصار الزوج ونجاة الأب والأهل من شر كان يوشك أن يحيط بهم.
تلكم هي أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبى سفيان التي أحاطتها النجدة النبوية من خيانة الزوج وبلاء الغربة ووضعتها في أعز مكان من بيت النبوة.
الزوجة التاسعة: ميمونة بنت الحارث الهلالية أرملة يسعدها أن يكون لها رجل: آخر أمهات المؤمنين.. توفي عنها زوجها أبو رهم بن عبد العزّى العامري؛ فانتهت ولاية أمرها إلى زوج أختها العباس الذي زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث بنى بها الرسول ـ في"سرف"قرب"التنعيم"على مقربة من مكة حيث يكون بدء الإحرام للمعتمرين من أهل مكة والمقيمين بها.
وقيل: إنه لما جاءها الخاطب بالبشرى قفزت من فوق بعيرها وقالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبي والتي نزل فيها قوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين..) (17) .
كانت آخر أمهات المؤمنين وآخر زوجاته صلوات الله وسلامه عليه.
(1) تراجم لسيدات بيت النبوة للدكتورة بنت الشاطئ: ص 250 وما بعدها.
(2) المصدر السابق.
(3) انظر سيدات بيت النبوة للدكتورة بنت الشاطئ ص 324 (4) صحيح مسلم كتاب الفضائل.
(5) حياة محمد ص 29.
(6) الأحزاب: 40.
(7) الأحزاب: 5.
(8) الأحزاب: 37.
(9) رواه البخاري (كتال التوحيد 6108) .
(10) رواه البخاري (كتاب التوحيد) .
(11) الأحزاب: 37.
(12) انظر فتح الباري 8 / 371 عن سيدات بيت النبوة لبنت الشاطئ ص 354.
(13) رواه البخاري: فتح الباري _ كتال النكاح باب 14.
(14) رواه البخاري: فتح الباري ـ كتاب النكاح باب 36.
(15) الصف: 6.
(16) رواه البخاري - فتح الباري -"كتاب المغازي".
(17) الأحزاب: 50.
أ.د محمود حمدي زقزوق
الرد على الشبهة:
الحق الذي يجب أن يقال.. أن هذه الرواية التي استندتم إليها ـ يا خصوم الإسلام ـ ليست صحيحة رغم ورودها في صحيح البخاري ـ رضي الله عنه ـ؛ لأنه أوردها لا على أنها واقعة صحيحة، ولكن أوردها تحت عنوان"البلاغات"يعني أنه بلغه هذا الخبر مجرد بلاغ، ومعروف أن البلاغات في مصطلح علماء الحديث: إنما هي مجرد أخبار وليست أحاديث صحيحة السند أو المتن (1) .
وقد علق الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (2) بقوله:"إن القائل بلغنا كذا هو الزهري، وعنه حكى البخاري هذا البلاغ، وليس هذا البلاغ موصولاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الكرماني: وهذا هو الظاهر".
هذا هو الصواب، وحاشا أن يُقدم رسول الله ـ وهو إمام المؤمنين ـ على الانتحار، أو حتى على مجرد التفكير فيه.
وعلى كلٍ فإن محمداً صلى الله عليه وسلم كان بشراً من البشر ولم يكن ملكاً ولا مدعيًا للألوهية.
والجانب البشرى فيه يعتبر ميزة كان صلى الله عليه وسلم يعتني بها، وقد قال القرآن الكريم في ذلك: (قل سبحان ربى هل كنت إلا بشراً رسولاً) (3) .
ومن ثم فإذا أصابه بعض الحزن أو الإحساس بمشاعر ما نسميه - في علوم عصرنا - بالإحباط أو الضيق فهذا أمر عادى لا غبار عليه؛ لأنه من أعراض بشريته صلى الله عليه وسلم.
وحين فتر (تأخّر) الوحي بعد أن تعلق به الرسول صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى المكان الذي كان ينزل عليه الوحي فيه يستشرف لقاء جبريل، فهو محبّ للمكان الذي جمع بينه وبين حبيبه بشيء من بعض السكن والطمأنينة، فماذا في ذلك أيها الظالمون دائماً لمحمد صلى الله عليه وسلم في كل ما يأتي وما يدع؟ وإذا كان أعداء محمد صلى الله عليه وسلم يستندون إلى الآية الكريمة: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً) (4) .
فالآية لا تشير أبداً إلى معنى الانتحار، ولكنها تعبير أدبي عن حزن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بسبب صدود قومه عن الإسلام، وإعراضهم عن الإيمان بالقرآن العظيم؛ فتصور كيف كان اهتمام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوة الناس إلى الله، وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات إلى النور.
وهذا خاطر طبيعي للنبي الإنسان البشر الذي يعلن القرآن على لسانه صلى الله عليه وسلم اعترافه واعتزازه بأنه بشر في قوله - رداً على ما طلبه منه بعض المشركين-: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتى بالله والملائكة قبيلاً * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) . فكان رده: (سبحان ربى) متعجباً مما طلبوه ومؤكداً أنه بشرٌ لا يملك تنفيذ مطلبهم: (هل كنت إلا بشراً رسولاً) (5) .