قسم يرى حرية القول دون قيد الا فيما يمس النظام العام، وهؤلاء لا يعيرون الاخلاق أي اهتمام. وتطبيق رأيهم يؤدي دائما إلى التباغض والتنابذ والتحزب ثم القلاقل والثورات وعدم الاستقرار.
وقسم يرى تقييد حرية الرأي في كل ما يخالف رأي الحاكمين ونظرتهم للحياة، وتطبيق رأي هؤلاء يؤدي إلى كبت الآراء الحرة، وابعاد العناصر الصالحة عن الحكم، ويؤدي في النهاية إلى الاستبداد، ثم القلاقل والثورات.
اما الدين الإسلامي دين الوسطية، فانه يجمع بين الحرية والتقييد، فلا يسلم بالحرية على اطلاقها، ولا بالتقييد على اطلاقه.
فالقاعدة الاساسية هي حرية القول، واهم القيود على هذه الحرية:
1-ان لا يكون في القول عدوان، وان يكون طيبا بعيدا عن الفحش والقبح وبذاءة اللسان، يقول المولى عز وجل: '' وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد'' الحج 24.
2-الدعوة إلى الرأي بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، لقوله تعالى: '' ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن'' النحل: 125
3-ان يكون الكلام مطابقا للحقيقة صادقا مثبتا. بعيدا عن الظن، فان الأصل في حرية القول هو الصدق في الأقوال؟ لان الكذب قبيح مذموم، فقد حث الإسلام على توخي الصدق لقوله تعالى: '' يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين'' التوبة 119
4-ان لا يسمح بالمساس بالقواعد الخلقية، ولا يسمح بتحسين الأقوال أو الأفعال القبيحة كالنفاق وتعاطي الرشوة، والتعامل بالربا، وفعل المنكرات.
5-عدم السماح بتشكيك الناس بمعتقداتهم، ونشر الالحاد في المجتمع، والعمل على تفريق الأمة والشعوب، كي تصبح شيعا يقاتل بعضها بعضا.
6-عدم الاجتراء على الاديان السماوية، والاضرار بالاسلام واهله عامة إذ تجب العقوبة حدا وتعزيرا في هذه الحالة على المفسد المسيء لاستخدام الحرية.
7-تحري الحق والعدل، وترك المحاباة والمجاملة التي تعلي الباطل وتزهق الحق هذه الحرية الحقة المقننة بكل دقة لها ثمراتها على الفرد والمجتمع إذ هي تنشر الثقة بين افراد الأمة، وتؤدي إلى نمو الاخاء والحب والاحترام بين الافراد والشعوب، كما تؤدي إلى قوة بناء الأمة وتماسكها وتضامنها فلا يطمع فيها عدوها وتجعل من أمة الإسلام هي الأمة الداعية إلى الخير والسلام في العالم أجمع.
8-وان من نتاج هذه الحرية ان الإسلام كفل حرية الاديان التي انطوت تحت لواء حكمه وخاصة الاديان السماوية، فالاسلام قد قرر هذه الحرية دون ان يخوض تجارب سلبية دامية كتجربة محاكم التفتيش في العصور الاوروبية الوسطى.
9-كذلك الاسبان عندما غلبوا المسلمين على الاندلس، خيروهم بين ترك الاندلس أو الدخول في دين النصرانية او القتل، فقضوا بهذه الحرية الجائرة على ملايين المسلمين ومنعوا ان يذكر اسم الله في دولة كاملة عاش المسلمون فيها ثمانية قرون.
اما حرية الإسلام فانها تعلن انه '' لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي '' البقرة: 256
وفي هذا ما يدحض تلك الافتراءات القائلة بان الدين الإسلامي انتشر بحد السيف، وآخرها تلك الرسومات البشعة الكاذبة التي نشرتها الصحف الدنماركية ومن تبعها فاظهرت سيد الخلق واشرفهم واكرمهم صلى الله عليه وسلم وهو يعتم بعمامة مليئة بالقذائف اشارة إلى الإرهاب.
كيف يكون ذلك وهو المبلغ لقول المولى عز وجل: '' فان اعرضوا فما ارسلناك عليهم حفيظا ان عليك الا البلاغ'' الشورى: 48 فهذه الآية الكريمة تلزم الناس ان يحترموا حق الغير في اعتقاد ما يشاء، وفي تركه يعمل طبقا لشريعته، فليس لأحد ان يكره آخر على اعتناق عقيدة ما اوترك أخرى. وان كان عليه اقناعه بالحسنى فان قبل عن قناعة كان له ذلك، والا فانه يكفي صاحب العقيدة المضادة انه ادى واجبه فبين الخطأ وارشد إلى الحق بالحسنى.
والإسلام دين الحرية الحقة هو الذي امن غير المسلمين على شعائرهم الدينية وتركهم يمارسونها بشكل لم يعرف له مثيل في أي دين أو نظام آخر، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، يدعو إلى تركهم وما يدينون واليهود والنصارى يترددون على كنائسهم وبيعهم في ظل الدولة الإسلامية ولم يعرف ان حاكما مسلما هدم كنيسة أو اقفل بيعة أو حولها إلى مسجد، ومن سماحة الإسلام ان المسلم إذا كانت تحته كتابية فلا يمنعها من ممارسة شعائر دينها.
ولنقارن بين هذه الحرية الحقة التي دعا اليها الإسلام على يد اشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وبين الحرية المعاصرة التي لبست وجوها واقنعة كثيرة مبهرجة لخداع الناس، ولنستعين بذاكرة التاريخ، ونرى ما فعلته الشيوعية وامثالها بالمسلمين في كل انحاء المعمورة ، فالبستهم لباس الجوع والخوف ومنعتهم من ممارسة شعائرهم الدينية، وهدمت المساجد ومنعت الأذان ، واجبرتهم على تغيير هويتهم الاسلامية، حتى الأسماء الشخصية والحروف العربية لم تسلم من ذلك الجبروت.
الكاتب: بشرى ماروق