روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:"لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده"وفي غزوة بدر ما جاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فيالأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فأمده الله بالملائكة..."
ونهانا عز وجل عن إتيان ما ينافي النصر ويجلب الهزيمة من عوامل الفشل والجبن والتنازع والصراع والعصيان وابتغاء الدنيا دون الآخرة يفهم ذلك من قوله تعالى:"ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ماتحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين"
وحذرنا من الركون إلى الأسباب الدنيوية وحدها أو التعويل على مجرد الكثرة العددية قال تعالى:"لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين"
ونبهنا إلى أنه لا ناصر لمن خذله الله،بما قد يأتيه من استبعاد لدين الله في معركته مع
أعدائه وتخلفه عن نصره وإقامته،فيستحق بذلك الخسارة والخذلان ;قال تعالى:"إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون"
3 سبتمبر 2006-10 شعبان 1427 ه
اللواء الدكتور - فيصل بن جعفر بالي
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى خلق البشر، وابتلاهم بالحسنة والسيئة، وبالخير والشر؛ كما قال سبحانه: وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون (168) {الأعراف: 168} ، وقال عز وجل: ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون 35 {الأنبياء: 35} ، وقال تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون 2 ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين 3 {العنكبوت: 2، 3} .
وها هنا أمران مهمان لايفطن لهما كثير من الناس وهما:
الأول: أنه كلما قوي إيمان المؤمنين، ويقينهم بربهم، وصدقهم معه، وإخلاصهم له؛ عظم بلاؤهم، واشتدت محنتهم؛ ليبلوا الله تعالى إيمانهم، ويختبر صدقهم؛ كما قال النبي:"أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الناس على قدر دينهم، فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه" (صحيح الجامع 993) .
الثاني: أنه كلما اشتد البلاء، وعظمت المحنة بالمؤمنين الصادقين الثابتين فإن فرجهم يكون قريبًا، وتلك سنة كونية قدرها الله سبحانه كما قال عز وجل: فإن مع العسر يسرا 5 إن مع العسر يسرا 6 {الشرح: 5، 6} .
وتأمل معي أخي القارئ هذه الآية العظيمة التي تجمع بين هذين الأمرين وهي قول الله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى"يقول الرسول والذين آمنوا معه متى"نصر الله ألا إن نصر الله قريب 214 {البقرة: 214} .
فانظر ماذا حصل لهذا النبي عليه السلام، ومن معه من المؤمنين من عظيم المحن والابتلاء، فأصيبوا بالبأساء والضراء، وزلزلوا حتى إنهم تساءلوا: متى نصر الله ؟! قال الطبري رحمه الله تعالى:"أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسوله تدخلون الجنة، ولم يصيبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهي: شدة الحاجة والفاقة، والضراء وهي: العلل والأوصاب، ولم تزلزلوا زلزالهم، يعني: ولم يصيبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهد حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟! ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريب، وأنه معليهم على عدوهم، ومظهرهم عليه؛ فنجزلهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا"أه (جامع البيان 341/2) .
لقد أفادت هذه الآية العظيمة أن الأنبياء وأتباعهم سيجري عليهم من البلاء والمحنة، وتسلط الكافرين والمنافقين عليهم وعلى دينهم ما يزلزلهم ويؤذيهم؛ ولكنهم في الوقت نفسه واثقون بنصر الله تعالى ووعده؛ ولذلك تساءلوا: متى نصر الله؟!