فقد فهمتُ من تلك الأزمة أن حرية التعبير لدى الغرب تفوق في قداستها قداسة الأمر الديني (أو هكذا يقول بعضهم) ، وأنّهم مستعدّون لأجل هذه القداسة أن يؤذوا مشاعر المسلمين جميعهم؛ ليُثبتوا للعالم وللمسلمين مقدار قداسة حرية التعبير عندهم.
وبذلك ازداد فهمي وضوحاً لمقدار التفاوت الكبير لرؤية المسلمين إلى حرية التعبير ولرؤية الغربيين إليها: حيث إن المسلمين يجعلون حرية التعبير قيمةً مقدّسة (مكفولة للمسلم) ما لم تَعْتَدِ على المقدّس الديني؛ لأنهم يرون مفسدة التطاول على المقدّس الديني، تفوق مصلحة حرية التعبير. وأمّا الغرب فيقدِّمُ حرية التعبير على المقدّس الديني، ولكنه لا يقدّمها على مَصَالِحِه الكبرى وعلى ما يُخلّ بأمنه القومي .
هاتان فائدتان استفدتهما من أزمة الرسوم المسيئة!!
كما أني خرجتُ من هذه الأزمة بألمٍ لا يُنسى وجُرح لن يبرأ من التطاول على مقام أحبّ مخلوق لديّ وأعظم إنسان في اعتقادي الجازم: ألا وهو حبيبي رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .
فها هو اعترافي بهذه الحقيقة ، بعد أزمة الرسوم المسيئة.
وبعد أن صدرت الدراسة الرسميّة في الدانمرك ، التي أدانت الحكومة الدانمركية على سوء إدارتها للأزمة، وأنه"كان من واجب رئيس الوزراء أن يتحاور مع سفراء الدول الإسلاميّة"كما جاء في نصّ الدراسة؛ نريد أن نعرف بعد ذلك: من هو الذي كان منغلقاً فاقداً لسُبُلِ الاتصال الإنسانية من الحوار والتبادل والثقافي...؟!
أحسب أن الاعتراف التالي يجب أن يخرج من الحكومة الدانمركية ، والتي تمثّلُ أكثر الحكومات الغربيّة: فينبغي أن تعترف بأنها حكومةٌ منغلقة عن الانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى، وإلّا لما رفضت مجرّد إجراء حوار عالي المستوى مع سفراء الدول الإسلاميّة، وهو الأمر الذي أخذته الدراسة الرسميّة لهذه الحكومة نفسها على أداء الحكومة ورئيس وزرائها كما سبق.
وهذا الموقفُ والاعترافُ المنتظر قد يعينُ على بداية انفتاح الأذهان لمسائل عديدة، منها مراجعة كثيرٍ من الأوصاف التي اعتاد الغربيون وصفَ المسلمين بها، والتي اعتادوا أن لا يُلقوا بالاً لدفاع المسلمين عن أنفسهم حيالها، التي قدّمتُ بها هذا المقال؛ لأن الانغلاق وعدم الحوار وعدم قبول التبادل الثقافي وعدم فهم الآخر... (إلى آخره) كانت تُهَماً و أوصافاً لا تكاد تفارق تصوّر كثير من الغربيين عن المسلمين، فإذا بهذه الأزمة تُظهر عكس ذلك تماماً!!
فهل نبدأ عهداً جديداً من محاسبة النفس، ومن ترك التعالي الذي يمنع من رؤية الحقيقة ؟!!
هذا مايرجوه كل من يتمنّى أن يسود التفاهم بين العالم، بدلاً من أن يتسلط القويُّ على الضعيف، ثم لا يفتأ أن يسوّغ لنفسه هذا التسلُّط ، لكي يخدِّر مشاعره ويخادعَ ضميره الذي يؤنبه على تصرّفاته اللاإنسانيّة .
هذا رجاءٌ صادقٌ، أتمنى أن يكون موجوداً لدى القادة و أصحاب القرار والفكر الغربيين !
تاريخ النشر في الموقع: 28/06/1427 هـ الموافق 07/24/2006 م
الحمد لله الذي منَّ على من شاء من عباده بتوفيقه لنصرته , وخذل من شاء منهم بركونه إلى أعداء ملته , والصلاة والسلام على من لا خير إلا في طاعته ولا فلاح إلا في الانتصار لسنته , وعلى آله وصحابته ومن سار على هداه إلى يوم يلقاه . أما بعد
فلقد آتت غرسة الغيرة أكلها واستوت على سوقها فأغاظ الله بها الكافرين ولله الحمد على ذلك كله إذ هدانا لهذا الخير وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
ثم يا أيها الأكارم:
تعلمون أن الغرب الكافر إنما تحالف بينه لأنه يرانا الخطر الحقيقي الذي يهدده ولهذا فهو قد رسم لنفسه خططا يتخلص فيها مما يتوقعه منا من هجمات .
وتعلمون أن تلك الأمم الكافرة تعتبر المادة هي الأساس لكل شيء فلها يحيون ولأجلها يموتون .
وتعلمون أيضا أنهم يرون أن ما في أيدينا من الخير الذي جعله الله مخزونا في بلداننا والثروة المكنوزة في أراضينا حقا من حقوقهم وأننا همج رعاع لا نقدر على تصريف أمورنا وأننا أعراب يكفينا اليسير من العيش وإلا فهم سادته وقادته.
وأمور أخرى ليس هذا أوان حصرها .
لكنه لفت نظري اليوم وأنا أتابع الأحداث بلحظاتها وأرقب الوضع بتفاصيله أنه دخل علينا في الخط دولا تسمى زورا بالعظمى وهي أحقر من أن تذكر لتفاهة ما تعتقده من فكر منحط وسياسة انتقائية.
نعم لقد دخلت دول كفرنسا الحرية وغيرها ولعل القصد من هذا ظاهر لا يكاد يخفى على كل متابع وهو تفريق كلمتنا وإضعاف نار الغيرة في قلوبنا ولكي تكثر الظباء علينا فلا ندري ما نصيد.
إن دخول فرنسا وغيرها في هذه اللعبة القذرة والمعركة الخاسرة بحول الله وقوته يراد منه شيء خطير وهو: