فهرس الكتاب

الصفحة 2054 من 3657

قلنا إن هذه الشبهة تتعلق بفن الحذف ، وهو مبحث بلاغى أكثر منه نحويًّا.

إن كل محذوف عندهم غلط شنيع ، وكل حذف خلط فظيع والناس ـ كما قيل في المثل ـ أعداء ما جهلوا.

يقول الإمام عبد القاهر الجرجانى ـ شيخ البلاغيين ـ في وصف الحذف البلاغى ، وروائع ثماره ، وبديع آثاره:

"هو بحث دقيق المسلك ، لطيف المأخذ ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر ، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون بياناً إذا لم تُبن" (2) .

هذه هى منزلة الحذف في البيان العربى ، السارى في أعطاف الكلام سريان النسيم في الرياض الفيحاء ، وقد شاع شيوعاً لا حصر له في القرآن الكريم ، إذ لم تكد تخلو منه سورة من سوره ، ولا آية من آياته والمعانى التى يدل عليها الحذف في القرآن تكاد تعادل ربع معانى القرآن كله. وهو منهج واسع وحكيم من مناهج اللغة العربية لا مثيل له.

ولذلك نجد العلامة اللغوى العظيم ابن جنى ، يسميه في كتابه"الخصائص"اسمًا طريفًا ، هو: شجاعة العربية"."

وينتمى الحذف البلاغى إلى فن بلاغى حصر بعض العلماء البلاغة فيه ، وهو"فن الإيجاز"أى قلة الألفاظ مع كثرة المعانى.

وله مقامات يتألق فيها ، ومقتضيات يوفى بأغراضها.

ومن مقاماته الحذف الوارد في آية سورة"يوسف"التى رآها من عشا بصره ، وغلظ قفاه ، وضل عقله خطأ ينبغى أن يصوَّب ، ولحنًا يجب أن يقوَّم.

إن حذف جواب"لما"هنا المراد منه تهويل وتفظيع ما حدث من إخوة يوسف ليوسف ، بعد أن أذن لهم أبوهم بالذهاب به إلى الصحراء ، وقد روى عنهم أنهم أخذوا يؤذونه بالقول والفعل وهم في الطريق إلى المكان الذى قصدوه ، حتى كادوا يقتلونه ، والدليل على هذا قوله تعالى حكاية عن أحد إخوته:

(قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين ) (3) .

فالنهى عن القتل لا يكون إلا عند العزم عليه ومباشرة أسبابه.

لذلك حذف جواب"لما"لتذهب النفس في تصوره كل مذهب ، وحذف هذا الجواب فيه دلالة على طول ما حدث منهم ، وعلى غرابته وبشاعته ، لذلك قدره الإمام الزمخشرى فقال:

"فعلوا به ما فعلوا من الأذى.. وأظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه ، وإذا استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة والضرب.." (4) .

وسار على هذا النهج الإمام البيضاوى (5) .

وذهب غيرهما في تقدير الجواب مذاهب أخرى ، والذى أتاح لهم هذا الاختلاف في تقدير الجواب المحذوف هو الحذف نفسه (6) .

أما اقتراح مثيرى الشبهة أن يحذف"الواو"فى"وأوحينا"ليستقيم المعنى فخطأ جسيم ؛ لأن"أوحينا"ليس هو جواب"لما"وإنما هو معطوف على الجواب المقدر لأن جواب"لمَّا"هو ما حدث ليوسف من إخوته بمجرد خروجهم به من عند أبيهم وبعدهم عنه قليلاً.

ودليل ذلك هو العطف بالفاء فى"فلما"لأنها تفيد الفورية والترتيب.

(1) يوسف: 15.

(2) دلائل الإعجاز (146) تحقيق الشيخ محمد محمد شاكر.

(3) يوسف: 9.

(4) الكشاف (3/306-307) .

(5) أنوار التنزيل (1/387) .

(6) الدر المصون (6/453) .

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

منشأ هذه الشبهة:

هو قوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً ) (1) .

وموطن هذه الشبهة ـ عندهم ـ هو الضمائر الثلاثة فى:

"تعزروه"ـ"توقروه"ـ"تسبحوه".

ذكروا هذا ، ثم قالوا:

"وهنا ترى اضطراباً في المعنى ، بسبب الالتفات من خطاب محمد إلى خطاب غيره ، ولأن الضمير المنصوب في قوله"وتعزروه وتوقروه"عائد على الرسول المذكور آخرًا."

وفى قوله"وتسبحوه"عائد على اسم الجلالة المذكور أولاً. هذا ما يقتضيه المعنى ، وليس في اللفظ ما يعينه تعيينًا يزيل اللبس. فإن كان القول: وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً عائدًا على الرسول يكون كفرًا لأن التسبيح لله فقط ، وإن كان القول"وتعزروه وتوقروه وتسبحوه"عائدًا على الله يكون كفرًا ؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج لمن يعزره ويقويه"."

الرد على الشبهة:

لقد أطالوا ـ على خلاف عادتهم ـ في بيان هذه الشبهة كما ترى. والسبب أنهم أرادوا أن يضيقوا علينا الخناق أو يسدوا علينا الطريق ليحكموا علينا قبضتهم ، على رأى المثل العامى"حلِّق حُوشْ"بيان ذلك أنهم يقولون لنا:

إذا جعلتم الضمائر الثلاثة عائدة على الرسول فقد كفرتم لأن الرسول بشر ، والبشر لا يجوز أن يسبحهم أحد ، لأن التسبيح لا يكون إلا لله.

وإذا جعلتم الضمائر الثلاثة عائدة على الله فقد كفرتم لأن الله غنى عن خلقه لا يحتاج منهم إلى تقوية ولا خلافه. فأين ـ إذن ـ أنتم تذهبون ؟ ونقول لهؤلاء الكارهين لما أنزل الله على خاتم رسله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت