فهرس الكتاب

الصفحة 2036 من 3657

والواقعة التى هى موضوع دعوى الاقتباس هنا هى حادثة تاريخية دينية محددة ببشارة زكريا عليه السلام بيحيى عبد الله ورسوله ووثائق تسجيلها هما: الإنجيل ، ثم القرآن الأمين.

وصلة الإنجيل بالواقعة المقصوصة أنه سجلها فرضًا بعد زمن وقوعها بقليل ؛ لأن عيسى كان معاصراً ليحيى عليهما السلام وصلة القرآن الأمين بها أنه سجلها بعد حدوثها بزمن طويل"حوالى سبعمائة سنة".

وقرب الإنجيل من وقوع الحادثة المقصوصة ، وبُعد القرآن الزمنى عنها يقتضى إذا سلمنا جدلاً بدعوى الاقتباس المطروحة أن يأتى الاقتباس على إحدى صورتين:

أولاهما: أن يقتبس القرآن جزءًا مما ورد من القصة الكلية في الإنجيل. وتظل القصة فيه ناقصة عما هى عليه في المصدر المقتبس منه (الإنجيل) على حسب زعمهم.

ثانيهما: أن يقتبس القرآن القصة كلها كما هى في الإنجيل بلا نقص ولا زيادة ، سواء أخذها بألفاظها أو صاغها في أسلوب جديد (البلاغة العربية كما يدعون) ، بشرط أن يتقيد بالمعانى الواردة في المصدر المقتبس منه ؛ لأن الفرض قائم (حتى الآن) على أن القرآن لم يكن له مصدر يستقى منه الواقعة غير الإنجيل المقتبس منه.

ومحظور على القرآن عملا بهذه القيود التى تكتنف قضية الاقتباس للوقائع التاريخية من مصدرها الأوحد أن يأتى بجديد أو يضيف إلى الواقعة ما ليس في مصدرها الأوحد.

فماذا صنع القرآن إذن ؟ هل اقتبس من الإنجيل جزءًا من الواقعة ؟ أم الواقعة كلها ؟!

دائراً في فلك الإنجيل دورة ناقصة أو دورة كاملة ؟!

لو كان القرآن قد فعل هذا: اقتبس جزءاً من الواقعة كلها ، وَ لَوْ مع صياغة جديدة لم تغير من المعنى شيئا ؛ لكان لدعوى الاقتباس هذه ما يؤيدها من الواقع القرآنى نفسه. ولما تردد في تصديقها أحد.

ولكننا قد رأينا القرآن لم يفعل شيئًا مما تقدم. لم يقتبس جزءاً من الواقعة ولا الواقعة كلها.

وإنما صورها تصويراً أميناً رائعاً. سجل كل حقائقها ، والتقط بعدساته كل دقائقها. وعرضها عرضاً جديداً نقيًّا صافياً ، وربط بينها وبين وقائع كانت كالسبب الموحد لها في بناء محكم وعرض أمين.

ولم يقف القرآن عند هذا الحد.. بل قام بإضافة الكثير جدًّا من الجديد الذى لم يعرفه الإنجيل. وصحح كثيراً من الأخطاء التى وردت فيه بفعل التحريف والتزوير. إما بالنص وإما بالسكوت. وهذا لا يتأتى من مقتبس ليس له مصدر سوى ما اقتبس منه.

وإنما يتأتى ممن له مصدره ووسائله وسلطانه المتفوق ، بحيث يتخطى كل الحواجز ، ويسجل الواقعة من"مسرحها"كما رآها هو ، وعقلها هو ، وسجلها هو. وكان هذا هو القرآن.

إن المصدر الوحيد للقرآن هو الوحى الصادق الأمين.. وليس ما سجله الأحبار والكهان ، والفريسيون ، والكتبة في توراة أو أناجيل.

إن مقاصد القرآن وتوجيهاته وكل محتوياته ليس في التوراة ولا في الإنجيل منها شىء يذكر. وفاقد الشىء لا يعطيه. هذا هو حكم العقل والعلم ، ومن لم يخضع لموازين الحق من عقل وعلم ونقل فقد ظلم نفسه.

(1) سفر التكوين الإصحاح (39) الفقرات (7 19) .

(2) لم نذكرالنص القرآنى الخاص بحديث النسوه إذ لا مقابل له في التوراة.

(3) يوسف: 23-29 ثم آية 35.

(4) تأمل عبارة التوراة"اضطجع معى"تجدها مبتذلة فاضحة تكاد تجسم معناها تجسيماً. ثم تأمل عبارة القرآن (و راودته التى هو في بيتها عن نفسه (تجدها كناية لطيفة شريفة بعيدة عن التبذل والإسفاف.

والألفاظ أوعية المعانى والمعانى ظلال الألفاظ..

(5) سفر التكوين (4-3-16) (6) المائدة: 27-32.

(7) سفر اللاويين (18 7 18) .

(8) النساء: 22-24.

(9) المائدة: 48.

(10) إنجيل لوقا (7- 22) الإصحاح الأول.

(11) آل عمران: 38-41. وراجع قبله الآيات من 35-37 للأهمية (12) مريم: 8 - 15 (13) آل عمران: 39.

(14) مريم:7.

(15) مريم:7.

(16) طه: 67.

(17) القصص: 31.

(18) الحجر: 52.

(19) مريم: 18.

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

منشأ هذه الشبهة:

(إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (1) .

هذه الآية هى منشأ هذه الشبهة عندهم ، لأنهم نظروا فيما بعد"الواو"فى"الصابئون"وقارنوا بينه وبين"الذين آمنوا"الواقع بعد"إن"وهى حرف ناسخ ينصب"المبتدأ"ويرفع"الخبر"واسم"إن"هنا هو"الذين"وهو مبنى لأنه اسم موصول.

وقد عطف عليه"الذين هادوا"أما"الصابئون"فجاءت مرفوعة ب"الواو"لأنها جمع مذكر سالم وجاء بعدها"النصارى".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت