الصادق الذي ما كذب مرة قط، لا على نفسه، ولا على الناس، ولا على ربه … ومن منا يستطيع أن يكون صادقًا في أقواله وأفعاله ومشاعره ومواقفه مدى الحياة؟! اللهم لا يطيق هذا سوى الأنبياء … والأمين الذي كان أمينًا في كل شيء وكان قبل كل شيء أمينًا على عقول الناس، وأفكار الناس.
كسفت الشمس يوم توفي ولده إبراهيم، فقالوا:"كُسفت الشمس لموت إبراهيم"لم يستغل رسول الإنسانية الأمين ضعف الناس فيتخذ من هذه الحادثة الاستثنائية دليلًا على صدق نبوته.. فنبوته حق، والحق قوي بذاته، والطبيعة لا تتدخل في أحزان الإنسان، فجاء البيان النبوي الصادق:"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تكسفان لموت أحد"وهيهات أن يقبل الرسول لأصحابه أن يكون الجهل سببًا للإيمان …
لم يشغله حزنه الكبير على وفاة طفله الصغير، عن تصحيح مفهوم خاطئ عند الناس.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أمينًا في تبليغ الرسالة كلها، فلم يُخف من القرآن المنزل عليه آية، ولو لم يكن نبيًا لما وجد نا في القرآن سورة (مريم) و (آل عمران) .. لو لم يكن نبيًا لكتم آياتٍ كثيرةً من مثل هذه الآية الكريمة: {وإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلى نِسَاء الْعَالَمِينَ} ."على نساء العالمين"! هكذا بهذا الإطلاق الذي رفع السيدة مريم إلى أعلى الآفاق! أي صدق؟! وأية دلالة على مصدر هذا القرآن وصدق النبي الأمين؟! ولو لم يكن رسولًا من الله ما أظهر هذا القول في هذا المجال بحال..
إن نبوّة محمد هي نبوّة صدق وأمانة وإيمان، إنها نبوة تدعو إلى فهم ووعي وهداية، هداية بالتفكر والتأمل والنظر، فالتفكير يوجب الإسلام والإسلام يوجب التفكير … فلا يُخشى على الإسلام من حرية الفكر، بل يخشى عليه من اعتقال الفكر.
إنها نبوة مبشرة منذرة {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
لا إغراء في هذه النبوة ولا مساومة {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} ، وإن من لا يُصدق هذه ا لنبوة فلن يصدق أي خبر عن الإيمان أو الوجود، ومن لا ينتفع بعقله وضميره للإيمان بهذه النبوة فلن تنفعه كل المعجزات.
لقد كان القرآن معجزة الإسلام الأولى، وكان الرسول بذاته وأخلاقه وسيرته وانتشار دعوته معجزة الإسلام الثانية، وحُقّ للنفس التي تجمعت فيها نهايات الفضيلة الإنسانية العليا أن تكون معجزة الإنسانية الخالدة.
يقول أستاذ الفلسفة راما راو: (إن إلقاء نظرة على شخصية محمد تسمح لنا بالاطلاع على عدد كبير من المشاهد: فهناك محمد الرسول، ومحمد المجاهد، ومحمد الحاكم، ومحمد الخطيب، ومحمد المصلح، ومحمد ملجأ الأيتام، ومحمد محرر العبيد، ومحمد حامي المرأة، ومحمد القاضي، ومحمد العابد لله.. كل هذه الأدوار الرائعة تجعل منه أسوة للإنسانية) ..
ويقول الزيات:"لما بُعث الرسول الكريم بَعث الحرية من قبرها، وأطلق العقول من أسرها، وجعل التنافس في ا لخير، والتعاون على البر، ثم وصل بين القلوب بالمؤاخاة، وعدل بين الحقوق بالمساواة.. حتى شعر الضعيف أن جند الله قوّته، والفقير أن بيت المال ثروته!! والوحيد أن المؤمنين جميعًا إخوته..".
"من كتاب ربحت محمدا ولم أخسر المسيح"
عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
أكمل خلق الله هو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام.
فماذا كان صلى الله عليه وسلم يُحب؟
لنحاول التعرّف على بعض ما يُحب لنحبّ ما أحب صلى الله عليه وسلم.
قال أنس رضي الله عنه: إن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزًا ومرقا فيه دباء وقديد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة. قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. رواه البخاري ومسلم.
ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبًا أحب الطِّيب والجنس اللطيف.
قال عليه الصلاة والسلام: حُبب إليّ من الدنيا النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة. رواه الإمام أحمد والنسائي.
وحُبه صلى الله عليه وسلم للطيب معروف حتى إنه لا يردّ الطيب.
وكان لا يرد الطيب، كما قاله أنس، والحديث في صحيح البخاري.
وكان يتطيّب لإحرامه، وإذا حلّ من إحرامه، كما حكته عنه عائشة رضي الله عنها، والحديث في الصحيحين.
قالت عائشة رضي الله عنها: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم عند إحرامه بأطيب ما أجد. رواه البخاري.
ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبًا أحب الطيّبات والطيبين.
سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة فقيل: من الرجال؟ فقال: أبوها. قيل: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب، فعدّ رجالا.