لقد حسد اليهود الضالون، والنصاري الظالمون، محمدا صلى الله عليه وسلم على ما أنعم به عليه من اصطفائه بالرسالة الخاتمة، التي نسخ الله بها الأديان السابقة، فلايقبل دين عندالله إلا دين الإسلام {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران: 85) . وقد كشف الله في كتابه عن خبث طويتهم وأنهم لايرضون عن محمد صلى الله عليه وسلم ولاعن أتباعه إلا إذا تركوا دين الإسلام واتبعوا ملة الباطل: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} (البقرة: 120) ، ومن أجل ذلك كله كان أشد الناس عداوة لأهل الإسلام اليهود والنصارى {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} (المائدة: 82) . إن ما حدث في «الدنمارك» و «النرويج» من تعرض لجناب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نموذج من حقد دفين تجاه سيد البشرية تفوه به حثالة من البشر، لايزيد صاحبه إلا ذلة وهوانا، وضلالا وخسرانا، يريدون الطعن به في دين الإسلام لإخماد نوره الذي دخل ديارهم، وأرهب - لجهلهم - قلوبهم {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} (التوبة: 32) .
اللهم صل وسلم على الحبيب المصطفى، والنبى المجتبى، وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} (الأحزاب: 56) .
اللهم ابتر شانئ محمد صلى الله عليه وسلم، واجعل ذاكره بسوء عبرة للمعتبرين، وآية في العالمين، واحفظ مقام المصطفى عليه السلام من ألسنة الماكرين، وعبث الحاسدين، واقطع دابرهم كالأولين، وأرنا فيهم عجائب قدرتك يارب العالمين
أ.د/ ناصر بن سليمان العمر
الحمد لله وكفى، ثم الصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، ورسله الذين اجتبى، وبعد..
فإن من سنة الله فيمن يؤذي رسوله، صلى الله عليه وسلم، أنه إن لم يجاز في الدنيا بيد المسلمين، فإن الله سبحانه ينتقم منه ويكفيه إياه، والحوادث التي تشير إلى هذا في السيرة النبوية وبعد عهد النبوة كثيرة، وقد قال الله تعالى: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين) [الحجر:95] .
والقصة في سبب نزول الآية وإهلاك الله لهؤلاء المستهزئين واحدا واحدا معروفة قد ذكرها أهل السير والتفسير وهم على ما قيل نفر من رؤس قريش: منهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسودان ابن المطلب وابن عبد يغوث، والحارث بن قيس.
وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، وكلاهما لم يسلم، لكن قيصر أكرم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأكرم رسوله، فثبت ملكه.
قال ابن تيمية في الصارم:"فيقال: إن الملك باق في ذريته إلى اليوم"، ولا يزال الملك يتوارث في بعض بلادهم.
وأما كسرى فمزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتله الله بعد قليل ومزق ملكه كل ممزق، فلم يبق للأكاسرة ملك، وهذا والله أعلم تحقيق لقوله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر) [الكوثر: 3] ، فكل من شنأه وأبغضه وعاداه، فإن الله يقطع دابره ويمحق عينه وأثره، وقد قيل: إنها نزلت في العاص بن وائل، أو في عقبة بن أبي معيط، أو في كعب بن الأشرف، وجميعهم أخذوا أخذ عزيز مقتدر.
ومن الكلام السائر، الذي صدقه التاريخ والواقع:"لحوم العلماء مسمومة"، فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السلام؟
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة"فكيف بمن عادى الأنبياء؟
يا ناطح الجبل العالي ليثلمه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
إن من عقيدة أهل السنة أن من آذى الصحابة ولاسيما من تواتر فضله فإسلامه على شفا جرف هار، يجب ردعه وتأديبه، فكيف بمن آذى نبياً من الأنبياء، فكيف بمن آذى محمداً صلى الله عليه وسلم؟ (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً) [الأحزاب:57] .
وإذا استقصيت قصص الأنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما أهلكوا حين آذوا الأنبياء، وقابلوهم بقبيح القول أو العمل، وهكذا بنو إسرائيل إنما ضربت عليهم الذلة وباءوا بغضب من الله ولم يكن لهم نصير لقتلهم الأنبياء بغير حق، مضموماً إلى كفرهم كما ذكر الله ذلك في كتابه، فقال عز شأنه: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [آل عمران:112] . فحري بمثل هذا المستهزء المستهتر أن يُتمثل له قول الأعشى: