فهرس الكتاب

الصفحة 3048 من 3657

يراه. ويعيش معه كل لحظات حياته، وكل مشاعر نفسه، وكل خلجاتها وكل سرها ونجواها.

ولا تضعف نفسه عن التلقي، ولا يضعف قلبه عن استيعاب النور الذي يغمره كلما رآه.

هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين وسيد المرسلين

ثم كان أصحابه الذين صنعهم على عينيه، ورباهم تربية خبير عليم.

كانوا يرون الله بقدر ما تطيق نفوسهم وبقدر ما تصطبر على الأفق الأعلى المشرق المضيء الذي لا تحتمله النفوس، إلا أن تقبس قبسات من فيض الله الغامر، وقبسات من الرسول.

ثم كانت نفوس على مدار الزمن تتفرق أحياناً، وتجتمع أحياناً، تعيش على حب الله والعمل في سبيله، وعبادته كأنها تراه.

وما تزال هذه النفوس حيثما لقيها الإنسان، يحس في الحال بالفارق الحاسم بينها وبين الذين لا يعبدون الله، أو الذين يعبدونه على حرف فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابهم شر انقلبوا على أعقابهم.. خسروا الدنيا والآخرة.

تحس على الفور حين تلقى أحداً منهم أنك أمام"إنسان". إنسان بهذا المعنى الذي كرمه خالقه وفضله على كثير ممن خلق. إنسان تأنس إليه وتستريح عنده، تستريح في تعاملك معه وفي علاقاتك. تستريح إلى الاستقامة النظيفة التي لا عوج فيها ولا التواء.

وتحبه..

لا تملك إلا أن تحبه ولو خالفك في أفكارك وأعمالك ومشاعرك واتجاهاتك.

تحبه لأن فيه قبسة من نور الله... وتحاول - إن استطعت - أن تقفو خطاه..

ومن ثم كان حرص الإسلام ونبي الإسلام، وهو يعلِّم الناس دينهم. أن يبين لهم الإحسان. ويصفه لهم في أخصر لفظ وأجمله."تعبد الله كأنك تراه". ويوقظ قلوبهم بوجدان التقوى وخشية الله:"فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

ومن ثم كذلك كان حرص الإسلام ونبي الإسلام، على ألا يقف الناس عند أول مراتب الإسلام ولا أول مراتب الإيمان. إنما يحاولون بلوغ الإحسان، ويحاولون على الدوام!

ـــــــــــــــــــــ

[45] رواه مسلم. من حديث طويل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال:"بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه ووضع كفيه على فخديه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك..".

[46] سورة ق [ 16 ] .

[47] سورة غافر [ 19 ] .

[48] سورة طه [ 7 ] .

[49] سورة الحاقة [ 18 ] .

[50] سورة الحج [ 78 ] .

[51] سورة البقرة [ 286 ] .

[52] سورة التغابن [ 16 ] .

[53] سورة آل عمران [ 14 ] .

[54] سورة آل عمران [ 134 - 136 ] .

[55] سورة الفرقان [ 70 ] .

[56] سورة الزمر [ 53 ] .

[57] سورة المائدة [ 8 ] .

[58] سورة النساء [ 58 ] .

[59] رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

"إن الله كتب الإحسان على كل شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" [59] .

يا الله! يا رحمة نبيه..!

"وليرح ذبيحته".. ومتى؟ وهو مقدم على ذبحها!!

ألا إنها رحمة أنبياء. ألا إنها روح الله.

إنه مرتقى للمشاعر البشرية يبلغ القمة التي ليس وراءها شيء. إلا ذلك النور الأعظم الذي ينير الكون كله وينفذ إلى قلوب الكائنات.

إنها الرحمة التي لا تقف عند الأناسى من الخلق، ولا يحكمها انحياز الإنسان لنفسه واعتداده بجنسه. وإنما تتعداها إلى المجال الواسع الفسيح الذي يشمل كل الأحياء في الكون.

ثم لا تقف عند هذا المدى - وهو في ذاته قمة عالية - وإنما ترتقي درجة أخرى!

فالرحمة بالأحياء درجة"مفهومة"على أي حال، سواء وفق إليها القلب البشري أم انحرف عنها وشذ.

مفهوم أن تقول لي: لا تقتل هذا العصفور. فإنه ضعيف مسكين. وهو جميل لطيف لا يستحق القتل.

ومفهوم أن تقول لي: لا تقتل هذه الفراشة الطائرة القافزة الرشيقة، فإنك لن تستفيد شيئاً من قتلها، وهي في رشاقتها اللطيفة جمال يحسن أن تمتع به حسك وروحك.

بل مفهوم أن تقول لي: لا تقتل هذه الزهرة الجميلة - حتى إن كانت لا تتألم للقتل - فهي على غصنها هكذا جميلة.. أجمل منها في يدك أو في عروة ثيابك.

كل ذلك مفهوم. والقلب البشري الطيب يمكن أن يوجه إليه في يسر، فيعتاده فيصبح من طباعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت