"محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ شخصية تاريخية حقة، فلولاه ما استطاع الإسلام أن يمتد ويزداد، ولم يتوان في ترديد أنه بشر مثل الآخرين مآله الموت، وبأنه يطلب العفو والمغفرة من الله عز وجل. وقبل مماته أراد أن يظهر ضميره من كل هفوة أتاها فوقف على المنبر مخاطبًا:"أيها المسلمون، إذا كنت قد ضربت أحدًا فهاكم ظهري ليأخذ ثأره، أو سلبته مالاً فمالي ملكه". فوقف رجل معلنًا أنه يدينه بثلاثة دراهم، فردّ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائلاً:"أن يشعر الإنسان بالخجل في دنياه خيرٌ من آخرته". ودفع للرجل دينه في التو. وهذا التذوق والإحساس البالغ لفهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لدوره كنبي يرينا بأن"رينان"كان على غير حق في نعته العرب قبل الإسلام بأنها أمة كانت تحيا بين براثين الجهل والخرافات..." (2) .
"إن المحاولة الإسلامية في التاريخ ذات أثر كبير، والعبقرية العربية تجد في محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ منشئًا لحضارة التوحيد التي تعتبر ذات أهمية كبيرة، إذا فكرنا في القيمة الفلسفية للتوحيد، وفي تفوقها الكبير الذي جعل كل الشعوب الآرية تمارس أفكار تلكم الفلسفة. وهذه الثروة الروحية الغزيرة في الأمة العربية، راجعة إلى الغريزة النبوية والتي تعد واضحة لدى الشعوب السامية، فاليهود الذين يستطيعون الفخر بأنبيائهم الكبار، يقرون بأن روح النبوة قد اختفت لديهم بعد هدم معبدهم الثاني، وهذا ما يفسر بمعنى أكيد العداوة العنيفة والكثيرة التكرار في القرآن بالنسبة إليهم" (3) .
"... إن الحضارة الفكرية الذهنية الحقيقية لم تظهر وتوجد ـ لدى العرب ـ إلا لدى وصول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ" (4) .
(1) فلسفة الفكر الإسلامي، ص8.
(2) نفسه، ص17.
(3) نفسه، ص31.
(4) دفاع عن الإسلام، ص24.
"... إن العمل بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام. لقد كانت السنة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وأنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدْهِشُك أن يتقوض ذلك البناء، كأنه بيت من ورق؟" (1) .
"... إن السنة هي المثال الذي أقامه لنا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أعماله وأقواله. إن حياته العجيبة كانت تمثيلاً حيًا وتفسيرًا لما جاء في القرآن الكريم، ولا يمكننا أن ننصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتبع الذي قد بلّغ الوحي" (2) .
"... إنه على الرغم من جميع الجهود التي بذلت في سبيل تحدي الحديث على أنه نظام ما، فإن أولئك النقاد العصريين من الشرقيين والغربيين لم يستطيعوا أن يدعموا انتقادهم العاطفي الخالص بنتائج من البحث العلمي. وأنه من الصعب أن يفعل أحد ذلك؛ لأن الجامعين لكتب الحديث الأولى، وخصوصًا الإمامين البخاري ومسلمًا قد قاموا بكل ما في طاقة البشر عند عرض صحة كل حديث على قواعد التحديث عرضًا أشد كثيرًا من ذلك الذي يلجأ إليه المؤرخون الأوربيون عادة عند النظر في مصادر التاريخ القديم" (3) .
"... إن رفض الأحاديث الصحيحة، جملة واحدة أو أقسامًا، ليس حتى اليوم، إلا قضية ذوق، قضية قصرت عن أن تجعل من نفسها بحثًا علميًا خالصًا من الأهواء.." (4) .
"... إن العمل بالسنة يجعل كل شيء في حياتنا اليومية مبنيًا على الإقتداء بما فعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهكذا نكون دائمًا، إذا فعلنا أو تركنا ذلك، مجبرين على أن نفكر بأعمال الرسول وأقواله المماثلة لأعمالنا هذه وعلى هذا تصبح شخصية أعظم رجل متغلغلة إلى حد بعيد في منهاج حياتنا اليومية نفسه، ويكون نفوذه الروحي قد أصبح العامل الحقيقي الذي يعتادنا طوال الحياة.." (5) .
(1) الإسلام على مفترق الطرق، ص87.
(2) نفسه، ص88.
(3) نفسه، ص92.
(4) نفسه، ص97.
(5) نفسه، ص109.
مارسيل بوازار
"سبق أن كتب كل شيء عن نبي الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فأنوار التاريخ تسطع على حياته التي نعرفها في أدق تفاصيلها. والصورة التي خلفها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن نفسه تبدو، حتى وإن عمد إلى تشويهها، علمية في الحدود التي تكشف فيها وهي تندمج في ظاهرة الإسلام عن مظهر من مظاهر المفهوم الديني وتتيح إدراك عظمته الحقيقية.." (1) .
"لم يكن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الصعيد التاريخي مبشرًا بدين وحسب بل كان كذلك مؤسس سياسة غيّرت مجرى التاريخ، وأثرت في تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق.." (2) .