كان من نهج النبي- صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع صحابته المتابعة وتقويم الأداء، فهو يسأل"كعب بن مالك"عن سبب تخلفه في الغزوة"ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟"فما كان رسول -الله صلى الله عليه وسلم- يترك كل فرد يتصرف من تلقاء نفسه، وإنما كان يتابع ويُسائل وإن كانت هناك فكان يحاسب .
ومن ثم كان على المدير أن يتابع وأن يقوّم أداء فريقه؛ لأنه إذا تُركت الأمور بغير متابعة فسوف تختلط الأمور ، ويضيع جهد العاملين ..، غير أن هذه المتابعة لا ينبغي أن تكون في كل دقائق أمورهم؛ فإن ذلك يبعث على النفور، ويشعرهم بأنهم في حصار مستمر، ومن ثم يضطرون لإخفاء الحقائق أو التورية، فيها ويفقده ذلك ثقته بنفسه .
فلا ينبغي للمشرف أن يجعل فريقه يصل إلى هذه الحال حرصاً على سلامة قلوبهم وصدق حديثهم وتحرر أفئدتهم ووجدانهم ، وقد عزل النبي"العلاء بن الحضرمي"عمله في البحرين؛ لأن وفد عبد القيس شكاه وولى إبان بن سعيد، وقال له:"استوص بعبد القيس خيراً ، وأكرم سراتهم".
وكان صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على العمال، ويحاسبهم على المستخرج والمصروف ، وقد استعمل صلى الله عليه وسلم مرة رجلاً على الصدقات، فلما رجع حاسبه .
وعن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي أن رسول الله استعمل رجلاً من الأزد على صدقات بني سليم، فلما جاء بالمال حاسبه فقال الرجل هذا لكم وهذا هدية أُهدي إليّ؛ فقال النبي:"فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً !"ثم قام صلى الله عليه وسلم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته ؟ والذي نفس محمد بيده لا نستعمل رجلاً على العمل بما ولانا الله فيغفل منه شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه".
فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحاسب عماله، ويناقشهم من أين لهم ما يملكون؟ ومن أي طريق وصل إليهم؟
كما سار على هذا النهج عمر ـ رضي الله عنه ـ، أخرج البيقهي وابن عساكر عن طاووس أن عمر -رضي الله عنه- قال: أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمر بالعدل أقضيت ما عليّ ؟ قالوا: نعم ! قال لا حتى أنظر في عمله أعمِل بما أمرته أم لا؟ ..فهذه كانت بعض من تعاليم المدرسة النبوية في فن قيادة الآخرين..
الكاتب: محمد سعيد رمضان البوطي
إنكار المنكر والتنديد به واجب ديني أمر به الله ضمن شروط، وهو من أولى ثمرات البغض في الله. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «أوثق عرى الإيمان بالله الحب في الله والبغض في الله» . وملاقاة صاحب المنكر لدعوته إلى الإقلاع عنه، والسعي إلى إقناعه بذلك عن طريق الحوار، واجب ديني آخر لا معنى للاستنكار والتنديد من دونه، وحسبك دليلاً قاطعاً على ذلك قوله تعالى: «أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» .
ومن المعلوم أن أصواتاً كثيرة من مسؤولين وغيرهم، ارتفعت في الدنمارك بعد ازمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تدعو علماء المسلمين والدعاة إلى هذا الواجب الذي أناطه الله بأعناقهم، وإلى التلاقي لبحث هذا الموضوع، وفتح باب الحوار حول حقيقة الإسلام وما ينبغي أن يعرفوه من سيرة رسول الله. وسئلت من قبل بعض من وجهت إليهم هذه الدعوة عن رأيي في الاستجابة لها، فقلت: إذا دعينا إلى التباحث والحوار حول الإسلام أو ما يتعلق به، فلا خيار لنا في الأمر، والاستجابة للدعوة واجبة، والخطاب القرآني في ذلك قاطع. غير أني علمت من بعد أن في الإسلاميين (وأنا لا أحب التعامل مع هذا المصطلح، لكنني أستعمله الآن على سبيل المشاكلة) مَن حذّر من الاستجابة لهذه الدعوة، وأصرّ على أن الحوار مرفوض وغير وارد وبذل جهداً كبيراً للصدّ عن هذا السبيل!
وبصرف النظر عما تم بعد ذلك من توجه ثلّة من الناشطين في أعمال الدعوة الإسلامية إلى الدنمارك، ومن اللقاءات الحوارية التي تمت، والآثار المحمودة التي نجمت عن ذلك، فإني أود أن أسأل أولئك الذين ضاقوا ذرعاً بالحوار وحذروا إخوانهم منه، وذهبوا في استنكار سعيهم إلى ذلك قريباً من استنكارهم للذين تطاولوا على رسول الله: أهو استنكار منكم لمشروعية الحوار مع الآخرين، أم هو قناعة منكم بأن الذين توجهوا للقيام بهذا الواجب غير مؤهلين له، وبأن سياسة الدعوة إلى الله ومحاورة الآخرين عن طريق الدعوة وقف على منظمة أو جمعية، أنتم دون غبركم سدنتها، وإليها دون غيرها كلمة الفصل في قرار الاستجابة وعدمها؟