ترتع ما رتعت حتى إذا ادَّكرت فإنما هى إقبال وإدبار فإقبال وإدبار مصدران حلا محل اسم الفاعل ، والتقدير ؛ هى مقبلة مدبرة.
وقد سبق الزمخشرى إلى الرأى الأول. ولكن البر برُّ من آمن ، شيخ النحاة سيبويه. وقد اختار سيبويه هذا الرأى ورجحه لاعتبار قوى فحواه.
أن السابق عليه هو نفى كون البر هو تولية وجوه المخاطبين نحو المشرق والمغرب.
ثم قال: والذى يستدرك ينبغى أن يكون من جنس ما وقع عليه النفى ، وهو ـ هنا ـ البر (3) يريد شيخ النحاة أن يقول:
إن"لكن"أداة استدراك في المعنى ، وإن طرفى الاستدراك ينبغى أن يكونا متجانسين ، والاستدراك:
إما إثبات بعد نفى ، أو نفى بعد إثبات ، فمثلاً قوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون(4) ما قبل أداة الاستدراك"لكن"هو الإيمان والتقوى ، وما بعدها هو التكذيب ، فبين ما قبلها وما بعد تجانس ظاهر ، لأنهما سلوكيات قلبية وخلقية.
وكذلك ما قبل لكن في الآية موضوع الدراسة هو البر الظاهرى المنفى ، وما بعدها ينبغى أن يكون هو البر الحقيقى المثبت.
وهذه لمحة طيبة من شيخ النحاة ، ولها صلة وثيقة بالتوجيه البلاغى لهذه المسألة ، سنعرضها في الخلاصة إن شاء الله.
ومن الآراء التى طرحت في هذا الصدد أن"البر"وقع موقع اسم الفاعل لإرادة المبالغة على وزان قول العرب"رجل عدل"حيث عدلوا عن رجل عادل ، إلى الإخبار عنه بالمصدر ، على اعتبار أن هذا الرجل لما كان كثير العدل صار كأنه العدل نفسه ، لا فرق بينهما. وهذا رأى نحاة الكوفة.
أما الفراء فقد جعل"من آمن"واقعاً موقع الإيمان وقال:
والعرب تجعل الاسم خبراً للفعل ، واستشهد على هذا بقول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى نَدِى حيث جعل الشاعر نبات اللحية خبراً عن الفتيان.
والمعنى: لعمرك ما الفتوة أن تنبت اللحى.
نكتفى بهذا القدر ـ مما ذكره النحاة ، ويكاد يجمع عليه المفسرون ـ في توجيه وقوع"من آمن"خبراً عن البر ، مع تسليم الكافة بصحة الاستعمال اللغوى فيه ، واجتهادهم هذا كان محاولة لفهم هذا الاستعمال.
والخلاصة:
من خلال النقول التى تقدمت عن النحاة واللغويين والمفسرين ، بطلت هذه الشبهة ولم يبق لها أثر ، فلا غرابة في وضع"من آمن"خبراً عن"البر"سواء أخذنا بتوجيه شيخ النحاة سيبويه ؛ أن في الكلام حذف مضاف تقديره"ولكن البر بر من آمن"أو أخذنا بالتوجيه الذى أجاز وقوع المصدر موقع اسم الفاعل أو الفاعل.. فهذه كلها أساليب عربية فصيحة مستعملة ، ومن شواهدها في القرآن كذلك قوله تعالى:"وأنت حل بهذا البلد"فوقع المصدر"حل"موقع اسم الفاعل"حالٌّ"أى مقيم بهذا البلد.
فإذا ولينا وجوهنا شطر البلاغة بعد النحو واللغة ، والبلاغة أوسع خطى منهما ، فإننا نلمح في التعبير القرآنى"ولكن البر من آمن"معنى لطيفاً دقيقاً ذا مغزى كبير لأن"من آمن"يدل على ذوات تمكن الإيمان في قلوبها. فالإيمان"حالٌّ"فى تلك القلوب ، ولو كان قد قيل:"ولكن البر الإيمان"لكان هذا الإيمان مجرد فكرة لا محل لها ، بل هى مفصولة عن الذوات. يعنى إيمان نظرى لا عملى. وهذا ليس بسديد ، لكن لما جعل هذا وصفاً للذوات المدلول عليها بـ"من"التحم الإيمان بالمؤمن ، والمؤمن بالإيمان ، فتحول إلى إيمان عملى متمكن في القلوب ، في مقابلة الإيمان الشكلى الذى لم يرضه القرآن ، وهو توجه الوجوه نحو المشرق والمغرب. وهذا ما ألمح إليه سيبويه من قبل.
(1) البقرة: 177.
(2) الكشاف (1/330) .
(3) الكتاب (1/108) .
(4) الأعراف: 96.
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله عز وجل: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) (1) .
ذكروا هذه الآية ، ثم قالوا في تصويب الخطأ الذى توهموه فيها:
"كان يجب أن يعتبر المقام الذى يقتضى صيغة الماضى ، لا المضارع فيقول:"قال له كُنْ فكان"؟!"
الرد على الشبهة:
وجَّه المفسرون والنحاة قوله تعالى"كُنْ فيكون"فأوجز الزمخشرى القول فيها فقال: هى حكاية حال ماضية (2) .
وقد أخذ هذه العبارة عن الزمخشرى الإمام البيضاوى ولم يزد عليها (3) .
وهى عبارة تحتاج إلى بيان ما هى حكاية الحال الماضية ؟ يريد الإمامان أن المضارع"يكون"دلالته في الآية أن الله عز وجل يصور للمخاطبين ترتيب الأحداث ساعة حدوثها في الزمن الذى خلق الله فيه آدم ، وفائدته نقل أذهانهم إلى تلك اللحظة كأنهم يعاينونها بأبصارهم.
وهذه هى دلالة المضارع إذا وضع موضع الماضى عند علماء المعانى ، هى بعث الماضى وتصويره في صورة الذى يحدث في الحال.
ومن أمثلته عندهم قول الشاعر يحكى صراعًا حدث بينه وبين الضَّبُع ، وهو حيوان مفترس.