"كلما فكرنا في تاريخ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتاريخ أوائل الإسلام، تملكنا الذهول أمام عظمة مثل هذا العمل. ولا شك أن الظروف كانت مواتية لمحمد فأتاحت له فرصًا للنجاح لم تتحها لسوى القليل من الرجال غير أن الرجل كان على مستوى الظروف تمامًا. فلو لم يكن نبيًا ورجل دولة وإدارة، ولو لم يضع ثقته بالله ويقتنع بشكل ثابت أن الله أرسله، لما كتب فصلاً مهمًا في تاريخ الإنسانية. ولي أمل أن هذه الدراسة عن حياة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمكنها أن تساعد على إثارة الاهتمام ، من جديد ، برجل هو أعظم رجال أبناء آدم" (4) .
(1) محمد في مكة، ص94.
(2) نفسه، ص497، 498.
(3) نفسه، ص510، 511.
(4) نفسه، ص512.
ولز (1)
"... هل تراك علمت قط أن رجلاً على غير كريم السجايا مستطيع أن يتخذك صديقًا؟ ذلك أن من عرفوا محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر من غيرهم، كانوا أشد الناس إيمانًا به، وقد آمنت به خديجة ـ رضي الله عنها ـ كل حياته على أنها ربما كانت زوجة محبة. فأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ شاهد أفضل وهو لم يتردد قط في إخلاصه؛ كان يؤمن بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن العسير على أي إنسان يقرأ تلك الأيام إلا يؤمن بأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ، وكذلك علي ـ رضي الله عنه ـ؛ فإنه خاطر بحياته من أجل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أحلك أيامه سوادًا..." (2) .
"حجّ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حجة الوداع من المدينة إلى مكة قبل وفاته بعام، وعند ذاك ألقى على شعبه موعظة عظيمة؛ إنّ أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء، وتجعل الفقرة الأخيرة منها الزنجي المؤمن عدلاً للخليفة. إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم والسماحة، كما أنها إنسانية السمة ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي، عما في أي جماعة أخرى سبقتها" (3) .
"لقد منح العرب العالم ثقافة جديدة، وأقاموا عقيدة لا تزال إلى اليوم من أعظم القوى الحيوية في العالم أما الرجل الذي أشعل ذلك القبس العربي فهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ (4) ."
(1) هربرت جورج ولز (1866 - 1946م) H. G. Wells: الكاتب والأديب البريطاني المعروف. حصل على بكالوريوس العلوم سنة 1888م، تولى التدريس بضع سنين ثم انصرف للتأليف. اشتهر بقصصه الذي يعتمد الخيال العلمي من مثل"آلة الزمن"و"الرجل الخفي"، فضلاً عن رواياته النفسية والاجتماعية من مثل"ميكافيللي الجديد"و"الزواج". ولم يغفل ولز البحث في التاريخ فأنجز عام 1920م"معالم تاريخ الإنسانية"وأعقبه بـ"موجز تاريخ العالم"، وكان آخر كتاب أصدره هو"العقل في أقصى تواتراته"1944م. ولولز كتاب في السيرة الذاتية بعنوان:"تجربة في كتابة السيرة الذاتية".
(2) معالم تاريخ الإنسانية (3/ 639) .
(3) نفسه (3/ 640، 641) .
(4) موجز تاريخ العالم، ص200، 201.
نصري سلهب
"في مكة أبصر النور طفل لم يمرّ ببال أمة _ ساعة ولادته ـ أنه سيكون أحمد أعظم الرجال في العالم بل في التاريخ، ولربما أعظمهم إطلاقًا.." (1) .
"هنا عظمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. لقد استطاع ـ خلال تلك الحقبة القصيرة من الزمن ـ أن يحدث شريعة خلقية وروحية واجتماعية لم يستطعها أحد في التاريخ بمثل تلك السرعة المذهلة" (2) .
"... هذا الرجل الذي ما عرف الهدوء ولا الراحة ولا الاستقرار، استطاع وسط ذلك الخضم الهائج، أن يرسي قواعد دولة، وأن يشرّع قوانين ويسنّ أنظمة، ويجود بالتفسير والاجتهادات، ولم ينس أنه أب وجد لأولاد وأحفاد، فلم يحرمهم عطفه وحنانه، فكان بشخصيته الفذة الغنية بالقيم والمعطيات والمؤهلات، المتعددة الأبعاد والجوانب، الفريدة بما أسبغ الله عليها من نعم وصفات، وبما حباها من إمكانات، كان بذلك كله، عالمًا قائمًا بنفسه" (3) .
"تراثك يا ابن عبد الله ينبغي أن يُحيا، لا في النفوس والقلوب فحسب، بل في واقع الحياة، في ما يعاني البشر من أزمات وما يعترضهم من عقبات. تراثك مدرسة يلقى على منابرها كل يوم عظة ودرس، كل سؤال له عندك جواب، كل مشكلة مهما استعصت وتعقدت، نجد لها في آثارك حلاً" (4) .
".. لم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسولاً وحسب، يهدي الناس إلى الإيمان، إنما كان زعيمًا وقائد شعب، فعزم على أن يجعل من ذلك الشعب خير أمة أخرجت للناس. وكان له ما أراد" (5) .
(1) في خطى محمد، ص42.
(2) نفسه، ص196.
(3) نفسه، ص273، 274.
(4) نفسه، ص396.
(5) نفسه، ص409.
هنري دي فاستري