وحذا الإمام الشوكانى حذوهما ، ثم قال: إنه مثل"كتبتُ بيدى"والكتابة لا تكون إلا باليد (5) .
ويسوق غيرهم شواهد من الشعر العربى على تأصيل هذا الأسلوب في لغة العرب ، مثل:
فسرتُ إليهمُ عشرين شهراً وأربعة فذلك حِجّتان أى: سنتان. وقول الآخر:
ثلاث بالغداة فهُنَّ حسبى وست حين يدركنى العشاء فذلك تسعة في اليوم ربى وشُرب المرء بعد الِرى داء (6) والخلاصة:
لقد أصاب الأئمة في الإشارة إلى معنى جملة"تلك عشرة كاملة"وبخاصة في قولهم إنها أفادت دفع توهم من يحسب أن"الواو"بمعنى"أو"تفيد الإباحة ، فليس ببعيد أن يفهم بعض الناس أن المتمتع بالعمرة إلى الحج كفارته الصيام:
فإن صام في الحج فيكفيه ثلاثة أيام ، ومن لم يصم حتى رجع إلى بلده فعليه صيام سبعة أيام ، وأن يفهم الاكتفاء بالثلاثة في الحج للتخفيف على المحرمين بالحج ويؤدون مناسكه ، أما بعد الرجوع إلى الوطن فلا داعى للتخفيف ، لأنه غير مشغول بالمناسك ، وليس غريباً عن بلده. ليس ببعيد أن يقع هذا الفهم في أذهان بعض الناس حتى الفقهاء المجتهدين.
لذلك كان قوله تعالى:"تلك عشرة"واصفاً لها بأنها"كاملة"دافعاً لذلك الفهم.
وبذكر"كاملة"تحوَّل قوله تعالى:"تلك عشرة"إلى نص محكم غير قابل للاحتمال أو التأويل.
أما من حيث البلاغة والبيان ، فإن كلمة"كاملة"وصفاً لـ"تلك عشرة"تفيد تعظيم هذه الأيام العشرة وكمال فضلها عند الله عز وجل.
بدليل أنه أشار إليها باسم الإشارة الموضوع للبعيد ، تنويهاً ببعد منزلتها ، وكان يمكن أن يقال هذه عشرة كاملة ، وهذه اسم إشارة للقريب سواء كان قرباً حسياً أو قرباً معنويًّا.
هذه المعانى والدقائق والأسرار ما كانت لتُفهَم لولا وجود تلك العبارة ، التى عدَّها مثيرو الشبهات عيباً من عيوب الكلام.
(1) البقرة: 196.
(2) الفذلكة مصطلح فنى معناه: إجمال المعنى في عبارة موجزة بعد بسطه في عبارة طويلة.
(3) الكشاف (1/345) .
(4) نوار التنزيل (1/111) .
(5) فتح القدير (1/227) .
(6) الدر المصون (2/320) .
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (هو الذى يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ) (1) .
وشاهدهم في الآية هو قوله تعالى:"حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم".
الرد على الشبهة:
هذه الشبهة المثارة هنا على هذه الآية ، ليست لها صلة ، لا من قريب ، ولا من بعيد ، بالنحو والصرف بل هى مسألة بلاغية صرفة ، والبلاغة ـ عموماً ـ لها عنصران كبيران ، أحدهما خارجى عن شخصية البليغ ، والثانى ممتزج بشخصيته.
العنصر الأول الخارجى:
هو مجموعة القواعد والأصول التى تكوِّن علوم البلاغة باعتبارها علماً راقياً من علوم اللسان ؛ لأن لكل علم أو فن أصوله ومبادئه الخاصة به.
وهذه القواعد والأصول يمكن تَعَلُّمها وإتقانها لكل راغب صادق الرغبة فيها.
العنصر الثانى الذاتى:
الممتزج بذات البليغ ، والذى يجرى فيه مجرى الروح في الجسد هو الإحساس المرهف بالجمال الفنى ، والقدرة على التذوق ، والخبرة بالأساليب إنشاءً ودراسة ونقداً وتقويماً. وليس بلازم أن يكون العارف بالقواعد والأصول البلاغية ، ليس بلازم أن يكون بليغاً.
يقول الإمام الزمخشرى البليغ الذواقة ، في الالتفات من الخطاب إلى الغيبة:
"فإن قلت ما فائدة صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة قلت: المبالغة ، كأنه يذكر حالهم لغيرهم ليعجبَّهم منها ، ويستدعى منهم الإنكار والتقبيح" (2) .
هذه العبارة في حاجة إلى إيضاح ، هو الآتى:
هؤلاء الذين تحدث الله عنهم في هذه الآية ، أنعم الله عليهم بالتسيير في البر والبحر ، وامتحنهم بالريح العاصف بعد أن أقلعت بهم الفلك تمخر عباب الماء ، فتوجهوا إلى الله يطلبون منه الإنجاء ، واعدين الله إذا أنجاهم أن يشكروه ويعرفوا فضله. فلما أنجاهم نسوا ما وعدوا الله به ، وعادوا إلى معصيته كما قال ربنا عز وجل:
(فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق.. ) (3) .
وكانت فائدة الالتفات عن خطابهم المباشر"كنتم في الفلك"إلى حكاية حالتهم العجيبة إلى غيرهم ، لكى يستثير سخطهم عليهم ، ويقبِّحوا سوء صنيعهم مع الله.
والخلاصة:
ما قاله الإمام الزمخشرى في هذه الآية لمحة طيبة ، ومعنى لطيف دل عليه هذا الالتفات من المخاطب إلى الغائب ، وقد تناقله عنه المفسرون من بعده.
أما البلاغيون ـ بعد الزمخشرى ـ فقد أضافوا ملمحًا بلاغياً آخر ، يساير ما فهمه الإمام الزمخشرى ولا ينافره ، فقد قالوا: