فهرس الكتاب

الصفحة 2015 من 3657

فالعبرية مثلاً تطلق على"الله"عدة إطلاقات ، مثل ايل ، الوهيم ، وأدوناى ، ويهوا أو يهوفا. فأين هذه الألفاظ من كلمة"الله"فى اللغة العربية وفى اللغةاليونانية التى ترجمت منها الأناجيل إلى اللغة العربية حيث نجد الله فيها"الوى"وقد وردت في بعض الأناجيل يذكرها عيسى عليه السلام مستغيثاً بربه هكذا"الوى الوى"وترجمتها إلهى إلهى.

إن نفى عروبة القرآن بناء على هذه الشبهة الواهية أشبه ما يكون بمشهد خرافى في أدب اللامعقول.

(1) الشعراء: 193-195.

(2) الزمر: 28.

(3) الدخان: 58.

(4) النحل: 103.

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

يدعى المشكِّكُون أنه جاء في فواتح 29 سورة بالقرآن الكريم حروف عاطلة ، لا يُفهم معناها نذكرها فيما يلى مع ذكر المواضع التى وردت فيها:

الحروف:السورة الر: يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر الم: البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة المر: الرعد المص: الأعراف حم: غافر، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف حم عسق: الشورى ص: ص طس: النمل طسم: الشعراء ، القصص طه: طه ق: ق كهيعص: مريم ن: القلم يس: يس ونحن نسأل:"إن كانت هذه الحروف لا يعلمها إلا الله (كما يقولون) فما فائدتها لنا ، إن الله لا يوحى إلا بالكلام الواضح فكلام الله بلاغ وبيان وهدى للناس".

الرد على هذه الشبهة:

أطلقوا على هذه الحروف وصف"الكلام العاطل"والكلام العاطل هو"اللغو"الذى لا معنى له قط.

أما هذه الحروف ، التى أُفتتحت بها بعض سور القرآن ، فقد فهمت منها الأمة ، التى أُنزل عليها القرآن بلغتها العريقة ، أكثر من عشرين معنى (1) ، وما تزال الدراسات القرآنية الحديثة تضيف جديداً إلى تلك المعانى التى رصدها الأقدمون فلو كانت"عاطلة"كما يدعى خصوم الإسلام ، ما فهم منها أحد معنى واحداً.

ولو جارينا جدلاً هؤلاء المتحاملين على كتاب الله العزيز من أن هذه"الحروف"عاطلة من المعانى ، لوجدنا شططاً في اتهامهم القرآن كله بأنه"كلام عاطل"لأنها لا تتجاوز ثمانى وعشرين آية ، باستبعاد"طه"و"يس"لأنهما اسمان للنبى صلى الله عليه وسلم ، حذف منهما أداة النداء والتقدير: يا"طه"يا"يس"بدليل ذكر الضمير العائد عليه هكذا:

(ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) (2) و (إنك لمن المرسلين) (3) .

وباستبعاد هاتين السورتين من السور التسع والعشرين تُصبح هذه السور سبعاً وعشرين سورة ، منها سورة الشورى ، التى ذكرت فيها هذه الحروف المقطعة مرتين هكذا:

"حم ، عسق"فيكون عدد الآيات موضوع هذه الملاحظة ثمانى وعشرين آية في القرآن كله ، وعدد آيات القرآن الكريم 6236 آية. فكيف ينطبق وصف ثمانٍ وعشرين آية على 6208 آية ؟.

والمعانى التى فُهمتْ من هذه"الحروف"نختار منها ما يأتى في الرد على هؤلاء الخصوم.

الرأىالأول:

يرى بعض العلماء القدامى أن هذه الفواتح ، مثل: الم ، و الر ، والمص". تشير إلى إعجاز القرآن ، بأنه مؤلف من الحروف التى عرفها العرب ، وصاغوا منها مفرداتهم ، وصاغوا من مفرداتهم تراكيبهم."

وأن القرآن لم يغير من أصول اللغة ومادتها شيئاً ، ومع ذلك كان القرآن معجزاً ؛ لا لأنه نزل بلغة تغاير لغتهم ، ولكن لأنه نزل بعلم الله عز وجل ، كما يتفوق صانع على صانع آخر في حذقه ومهارته في صنعته مع أن المادة التى استخدمها الصانعان فى"النموذج المصنوع"واحدة وفى هذا قطع للحُجة عنهم.

ويؤيد هذا قوله سبحانه وتعالى:

(أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ) (4) .

يعنى أن اللغة واحدة ، وإنما كان القرآن معجزاً لأمر واحد هو أنه كلام الله ، نازل وفق علم الله وصنعه ، الذى لا يرقى إليه مخلوق.

الرأى الثانى:

إن هذه الحروف"المُقطعة"التى بدئت بها بعض سور القرآن إنما هى أدوات صوتية مثيرة لانتباه السامعين ، يقصد بها تفريغ القلوب من الشواغل الصارفة لها عن السماع من أول وهلة. فمثلاً"الم"فى مطلع سورة البقرة ، وهى تنطق هكذا.

"ألف لام ميم"تستغرق مسافة من الزمن بقدر ما يتسع لتسعة أصوات ، يتخللها المد مد الصوت عندما تقرع السمع تهيؤه ، وتجذبه لعقبى الكلام قبل أن يسمع السامع قوله تعالى بعد هذه الأصوات التسعة:

(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) (5) .

وإثارة الانتباه بمثل هذه المداخل سمة من سمات البيان العالى ، ولذلك يطلق بعض الدارسين على هذه"الحروف"فى فواتح السور عبارة"قرع عصى" (6) وهى وسيلة كانت تستعمل في إيقاظ النائم ، وتنبيه الغافل. وهى كناية لطيفة ، وتطبيقها على هذه"الحروف"غير مستنكر. لأن الله عز وجل دعا الناس لسماع كلامه ، وتدبر معانيه ، وفى ذلك يقول سبحانه وتعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت