(1) الحج: 19.
(2) المائدة: 23.
(3) هود: 24.
(4) الحجرات: 9.
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
منشأ هذه الشبهة:
ومنشأ هذه الشبهة - عندهم - قوله تعالى: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ، وخضتم كالذى خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) (1) .
والشاهد - عندهم - في الآية هو قوله تعالى:"وخضتم كالذى خاضوا"وآثرنا ذكر الآية بتمامها لأن الرد على هذه الشبهة يقتضى النظر في الآية كلها لا في الجزء الذى استشهدوا به وحده.
وكان تعليقهم على قوله عز وجل: (وخضتم كالذى خاضوا (هو قولهم:"وكان يجب أن يجمع اسم الموصول العائد على ضمير الجمع فيقول: (خضتم كالذين خاضوا (!"
الرد على الشبهة:
هذه الآية - بتمامها - وردت في سياق الحديث عن المنافقين ؛ لأن ما قبلها هو قوله عز وجل: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هى حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ) (2) .
والآية مسوقة لتهديد المنافقين والكفار ، لعلهم يقلعون عما هم فيه من نفاق وكفر.
وقد أدير الحديث فيها على تشبيه المخاطبين (المنافقين والكفار) بالأمم الغابرة ، كانت أشد منهم قوة ، وأكثر مالاً وولدا ، وانغمسوا في شهواتهم الفانية ، فسار المنافقون والكفار سيرتهم فركنوا إلى متع الحياة الدنيا الفانية ، ولم يبتغوا ما عند الله ، وأن المنافقين والكفار فعلوا كل ما فعله من قبلهم من المعاصى والسيئات.
ثم بين الله عز وجل أنهم الخاسرون في الدنيا والآخرة فالذى معنا في الآية فريقان:
-فريق سابق في الزمن ، لم يكن موجوداً في عصر نزول القرآن.
-فريق كان حاضراً في عصر نزول القرآن ، وهم الذين خاطبهم الله في هذه الآية الكريمة. وليس في هذه الآية فريق ثالث تحدثت عنه الآية.
ومن هذا يتضح أن تعقيب خصوم القرآن على هذه الآية ، بأن الصواب أن يقال:"وخضتم كالذين خاضوا"فاسد من كل الوجوه ؛ لأن معنا في الآية فريقان لا ثلاثة ، ولو قيل:"خضتم كالذين خاضوا"لانفكت رابطة الكلام ، ولبرز في النظم طرف ثالث لا وجود له في سياق الآية.
بيان ذلك:
أن المقارنة جرت في الآية بين الفريقين"المنافقين والكفار"و"الأمم الغابرة". ودارت المقارنة على هذا المنهج:
-فاستمتعوا بخلاقهم.
-فاستمتعتم بخلاقكم.
-كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم.
-وخضتم كالذى خاضوا.
والمعنى: وخضتم خوضاً مثل خوضهم (3) .
فالذى في الآية اسم موصول مفرد ، يعود على المصدر المفهوم من الفعل الماضى"خضتم"فشبه الله عز وجل خوض المنافقين بخوض الذين من قبلهم. وهذا هو النسق الذى دارت عليه المقارنة في الآية تشبيه سلوك اللاحقين بسلوك السابقين من الأمم الغابرة ، التى عتت عن أمر ربها وعصت رسله.
واختار الإمام الشوكانى أن المعنى:"كالخوض الذى خاضوا" (4) ، ومن قبله قال الإمام الزمخشرى:
"وخاضوا فخضتم كالذى خاضوا" (5) .
هذا هو الحق في هذه العبارة ، لا كما قال خصوم القرآن الكارهون لما أنزل الله عز وجل.
(1) التوبة: 69.
(2) التوبة: 68.
(3) انظر: الدر المصون (6/84) .
(4) فتح القدير (2/433) .
(5) الكشاف (2/201) .
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول ربِّ لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدَّق وأكن من الصالحين ) (1) .
وشاهد هذه الشبهة - عندهم - هو قوله تعالى:"وأكن"لأنه محذوف الواو ساكن النون ، وهو فعل معتل الوسط بالواو (أجوف) ولا يحذف الواو منه إلا إذا سكن آخره ، ولا يسكن آخره إلا إذا كان مجزوماً ، ويجزم المضارع إذا دخل عليه جازم أو عطف على مجزوم.
ولما لم يدخل على الفعل - هنا - جازم ، ولم يتقدم عليه مجزوم يصح جزمه بالعطف عليه ، ساغ لخصوم القرآن أن يقولوا إن هذا الفعل"أكن"جزم مع أن المعطوف عليه منصوب ، وهو الفعل"فأصدق"وعلقوا على هذا فقالوا:"كان يجب أن ينصب الفعل المعطوف على المنصوب فيقال:"فأصدق وأكون"."
الرد على الشبهة:
لفتت هذه الآية أنظار النحاة والمفسرين ، وقد اختلفت توجيهاتهم لورود الفعل المجزوم مردوفاً على الفعل المنصوب ، مع اتفاقهم جميعاً على صحة هذا التركيب نحوياً لأن نظم القرآن مشهود له بالصحة من ألد خصومه الذين بلغوا الذروة في الفصاحة والبلاغة ، وهم مشركو العرب ، حيث لم يُرو عنهم أنهم طعنوا في القرآن في صحة أساليبه ، وضروب تراكيبه ، والتسليم له بالسمو والرفعة في هذا المجال.