حينئذ تصير قطعة من الكون الأعظم، دائرة معه في فلكه الفسيح، لأنك تلتقي بفطرتك الصحيحة مع فطرته الحقة، فتلتقيان في الناموس الكبير!
وحينئذ ترى الله!
فهذا هو الطريق!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[71] الترغيب والترهيب ج 4 ص 396 رقم 7.
[72] سورة الأنفال [ 63 ] .
[73] سورة آل عمران [ 103 ] .
[74] رواه البخاري ومسلم.
"ما أسكر كثيره فقليله حرام" [75] .
لعل ظاهر اللفظ يوحي بأن الخمر وحدها هي المقصودة بالحديث.
ولكني ألمح أنه قاعدة تشريعية شاملة، تنطبق على الممنوع كله والحرام كله، وتنطبق على الخمر والربا، والسرقة والغصب، والغمز واللمز، والغيبة والنميمة، والكذب والنفاق.. وعلى الجريمة الخلقية خاصة!
وقليل الخمر لا يسكر. وقليل كل شيء لا ضرر فيه..
ما شربة خمر؟ ما كأس بين الحين والآخر؟ في الحفلات مثلاً والأفراح؟!
وما كذبة بين الحين والحين بيضاء أو غير بيضاء؟
وما القروش القليلة يختلسها من مبلغ ضخم لا يمكن أن تؤثر فيه؟
وما الضرر في قليل من النفاق تسير به الأمور و"تشحم"عجلة الحياة فلا يقع فيها احتكاك ولا صدام؟
وما نظرة عابرة إلى فتاة؟
أو ابتسامة؟
أو كلمات؟
أو شيء قليل من المداعبة لا يبلغ حد الجريمة.. قبلة أو ضمة أو ما أشبه؟
فلتكن الجريمة!
جريمة عابرة.. تتم في الظلام، خلسة، لا يعلم بها أحد، ولا تؤثر في خط سير الحياة.. هل تنهد الدنيا إذا حدث ذلك أو تنهار الأخلاق؟
كذلك تبدو الأمور للوهلة الأولى.. سهلة هينة لا تستلزم التشديد ولا توجب الاهتمام!
ومع ذلك فهي حكمة بالغة تلك التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ودراية عميقة بالنفس البشرية، ونظر بعيد لا يقف عند الجزئية الصغيرة، ولا عند الفرد الواحد، ولا الجيل الواحد من الأجيال!
إنها النظرة الفاحصة الشاملة التي تأخذ في حسابها الفرد والمجتمع، والإنسان كله على امتداد حياته في تلك الأرض.
نظرة القلب المدرك البصير الذي ينفذ إلى صميم الإسلام فيستلهم روحه العميقة الدقيقة، وتنفتح له مغاليق الحكمة وغوامض الأسرار.
ومن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أجدر بأن يدرك روح الإسلام النقية الصافية، ويترجم عنها، وهو نبي الله وصفيه، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، وشرح صدره.. شرح صدره للإسلام، وللحق الماثل في الكون الكبير، فكان هو النموذج الكامل للإسلام، والقمة البشرية؟!
الإدمان أول شيء يخطر على البال حين تذكر الخمر، ويذكر القليل فيها والكثير
والإدمان - كما تثبت التجربة العلمية - خطر ماثل أمام البشرية حين تبيح لنفسها الخمر، وحين تبيح لنفسها أي أداء من أدواء المجتمع الكثيرة المتعددة.
وهو في الخمر يرتكز على أساس عصبي - جسماني - وعلى أساس نفسي كذلك [76] .
كل شراب - بل كل دواء - ذي تأثير معين على الأعصاب، منبه أو مسكن أو مثير أو ملطف، يفقد أثره على الأعصاب بعد قليل، لأنها تتحصن ضده وتتبلد عليه. ويحتاج الإنسان - لا محالة - إلى زيادة الجرعة أو تغيير"الصنف"لكي يحس له بمفعول.
هذا من الوجهة العصبية. أما من الوجهة النفسية فهناك العادة. والنفس تستريح لما تتعود عليه - كذلك فطرها الله لحكمة هو عالمها - وتشتاق لما تعتاده من الحركات والأفعال والأفكار والمشاعر، فيلتقي تأثر الأعصاب ومتعة النفس على الأمر الواحد في اللحظة الواحدة، فيتجاوبان، ويدفع كل منهما الآخر ويقويه!
وهذا أمر ينطبق على كل شيء! حتى لقمة الخبز وجرعة الماء، وضجعة السرير وجلسة المقعد، وحديث الإنسان إلى نفسه أو حديثه إلى الناس، ورؤية فلان أو صحبة مكان أو ألف شيء من الأشياء!
ولكن بعض هذه الأمور تداوي نفسها بنفسها فتكون بمنجاة من الإدمان - بمعنى الإسراف المضر - كما أن بعضها لا يصل إلى حد الخطر ولو وصل إلى الإدمان!
الطعام والشراب عادة يتعودها الجسم وتتعودها النفس، من حيث الكم والأنواع والمواعيد. ولكنها - في الحالة السوية - تجد الفرامل الضابطة في إحساس الشبع وامتلاء الفراغ المحدود.
ومع ذلك فقد تنحرف إلى شَرَهٍ نَهِمٍ مسعور!
ولكنها ضرورة! لا تقوم الحياة إلا بها في حالتها المعقولة السوية.
ومن ثم أبيح القول المعقول، وحرم الزائد عن المعقول: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) [77] ولم يجعل التحريم بتشريع لأن ذلك مستحيل. وإنما ترك أمره للتوجيه والتهذيب وخشية الله وتقواه.
والنوم والراحة عادة من حيث المواعيد والمقدار والطريقة والوسيلة - مترفة أو غير مترفة - ولكنها - في الحالة السوية - تجد فراملها الضابطة في النشاط الذي تحدثه، والرغبة الذاتية في تصريف هذا النشاط.
ومع ذلك فقد تنحرف إلى كسل وتراخ وفتور.
ومن ثم أبيح القدر المعقول - إن لبدنك عليك حقاً - وحرم الترف والتكاسل والقعود.