فهرس الكتاب

الصفحة 3060 من 3657

يرى الكأس الأولى تتبعها الثانية، والقبلة الأولى تؤدي إلى الجريمة. ومن ثم يقف في يقظة دائمة لكل كأس عابرة وكل قبلة حرام. ولا يقبل في ذلك حجج المستهترين كلهم وما يتمسحون به من التعللات.

لا يقبل قول الذي يقول: اسمح لي بهذه واطمئن أنني لن أسرف فيها، ولن أتجاوزها إلى جديد!

لا يقبله لأنه ليس له رصيد من الواقع، وكله أوهام!

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يشرح بأعماله وأقواله الصورة المفصلة للإسلام، ويجلوها في عالم الواقع.. كان الرسول على ذكر دائم وبصيرة كاملة بهذا التسلسل الذي يربط أجيال البشرية، والوحدة التي تشملها أفراداً وجماعات، وأجيالاً إثر أجيال.

كان على بصيرة من انتقال العدوى من شخص إلى شخص ومن جيل إلى جيل. بل بانتقال العدوى في النفس الواحدة من فكرة إلى فكرة ومن شعور إلى شعور!

وكان الدائم التنبيه لهذا الأمر:

"الحلال بيّن، والحرام بيّن. وبينهما أمور متشابهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه!" [83] .

"إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أن كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض" [84] .

من أجل ذلك قال:"ما أسكر كثيره فقليله حرام".

وأخذ عنه المسلمون هذه القاعدة التشريعية الشاملة فقال فقهاؤهم إن وسيلة المحرم محرمة لأنها تؤدي إليه. فالفاحشة حرام، والنظرة إلى الأجنبية حرام لأنها تؤدي إلى الفاحشة.

وسرت هذه القاعدة في كل التشريع.. وسرت كذلك إلى صميم المجتمع. فكان كل فرد دائم اليقظة إلى الناس يحذر أن توجد الكأس الأولى التي تؤدي إلى الطوفان."أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك"!

والإسلام يعلم أنه مهما صنع فلن يبطل الجريمة ولن يلغي الفاحشة من البشرية!

نعم. يعلم ذلك على اليقين. ولا يدفن رأسه كالنعامة في الرمل ويقول: ما دمت لا أراه فهو غير موجود!

ولكنه - مع ذلك - لا يعترف بالجريمة كأمر واقع، ولا يقبلها على هذا الوضع!

موقف بالضبط كموقف الطبيب المشرف على وقاية الناس من الأمراض.

إنه يعلم أنه مهما صنع فلن يمنع المرض من الوجود، ولن يصبح الناس كلهم محصنين!

ومع ذلك فلا ينهزم أمام المرض ولا يتركه يتفشى فيتحول إلى وباء.

مهمته الدائمة هي العراك مع الأمراض.

ويعلم علم اليقين أنه ستظل هناك حالات فردية لا تنفع فيها الوقاية، وقد لا ينفع كذلك العلاج.

ولكنه يصر على المقاومة، ولا يلجأ إلى الهزيمة، ويقول - وهو صادق - إن المدينة"نظيفة"ما دامت خالية من الوباء.

وكذلك يصنع الإسلام في وقاية البشرية.

يقف لكل جريمة مفردة ليحاول منعها من الانتشار، ولا يستهين بها مهما تكن من الضآلة في مبدأ الأمر. فجرثومة الكوليرا الواحدة المفردة تقتل في النهاية مئات الألوف ومئات الملايين. وجرثومة الفساد الواحدة تقتل شعباً بأكمله.

وهو يقف للجريمة بكل وسائل الوقوف.

يقف لها داخل الضمير. فالمناعة تنبت من داخل النفس.

ينظف هذا الضمير ويهذبه ويربطه بالله:"تعبد الله كأنك تراه".

ويقف لها في المجتمع بإقامة التقاليد التي تجعل الفضيلة عادة وتجعل الجريمة منكرة مرهوبة.

ثم يقف لها بالتشريع الذي يعاقب على الجريمة.

وحين تقع الجريمة في هذا الجو، فهي كحالة المرض المفردة التي قد لا تنفع فيها الوقاية ولا ينفع فيها العلاج. ولكن الوقاية والعلاج يفلحان في منع انتشارها وتحولها في النهاية إلى وباء.

وقد أمر الله بمنع الفاحشة ووضع لذلك الحدود.

ثم جاء الرسول صلى الله عليه وسلم يضع - الشرح المفصل للحدود حين قال:"ما أسكر كثيره فقليله حرام".

ولم يكن صلى الله عليه وسلم متشدداً، متزمتاً بلا ضرورة.

إنما كانت الحكمة الخالصة التي فتح لها قلبَه اللطيف الخبير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[75] رواه أبو داود.

[76] انظر فصل"النفس والجسم"من كتاب"في النفس والمجتمع".

[77] سورة الأعراف [ 31 ] .

[78] "يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ"سورة الزمر [ 6 ] .

[79] سورة يس [ 60 - 62 ] .

[80] سورة الزمر [ 49 ] .

[81] سورة الزمر [ 49 - 51 ] .

[82] سورة الملك [ 14 ] .

[83] رواه البخاري.

[84] رواه أبو داود.

"ادرءوا الحدود بالشبهات" [85] .

"ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فمن كان له ملجأ فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" [86] .

"الشك يفسر في صالح المتهم".

تلك هي القمة الإنسانية التي بلغتها أوربا بعد الإسلام بأكثر من ألف عام!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت