فهرس الكتاب

الصفحة 2028 من 3657

إنَّا نريد أن نسألك عن أشياء في كتاب الله ، فتفسرها لنا ، وتأتينا بما يصادقه من كلام العرب. فإن الله أنزل القرآن بلسان عربى مبين.

فقال ابن عباس: سلانى عما بدا لكما. ثم أخذا يسألانه وهو يجيب بلا توقف ، مستشهداً في إجاباته على كل كلمة ،"قرآنية"سألاه عنها بما يحفظه من الشعر العربى المأثور عن شعراء الجاهلية ، ليبين للسائلين أن القرآن نزل بلسان عربى مبين.

وكان الإمام جلال الدين السيوطى قد جمع هذه المسائل وذكر منها مائة وثمانٍ وثمانين كلمة ، وقد حرص على ذكر إجابات ابن عباس عليها رضى الله عنه ، وقال: إنه أهمل نحو أربع عشرة كلمة من مجموع ما سئل عنه ابن عباس (2) .

وها نحن أولاء نورد نماذج منها ، قبل التعليق عليها ، ولماذا أشرنا إليها في مواجهة هذه الشبهة التى تزعم أن ألفاظ الكتاب العزيز"غريبة"وغير مفهومة.

النموذج الأول:"عزين"قال نافع بن الأزرق لابن عباس:

أخبرنى عن قوله تعالى: (عن اليمين وعن الشمال عزين) (3) .

قال ابن عباس: عزين: الحلق من الرفاق. فسأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك ؟ فقال ابن عباس: نعم ، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص:

فجاءوا يُهرعون إليه حتى يكونوا حول منسره عزينا يعنى جماعات يلتفون حول الرسول (، وهو مشتق من الاعتزاء ، أى ينضم بعضهم إلى بعض ، قال الراغب في المفردات: العزين: الجماعة المنتسب بعضها إلى بعض(4) .

النموذج الثانى:"الوسيلة"قال نافع: أخبرنى عن قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) (5) . قال ابن عباس: الوسيلة: الحاجة ، قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال ابن عباس: نعم ، أما سمعت قول عنترة:

إن الرجال لهم إليك وسيلة أن يأخذوك تكحلى وتخضبى يعنى: اطلبوا من الله حاجاتكم. واستعمال الوسيلة في معنى الحاجة كما فسرها ابن عباس فيها إلماح أن طريق قضاء الحوائج يكون إلى الله ؛ لإن معنى الوسيلة: الطريق الموصل إلى الغايات.

النموذج الثالث:"شرعةً ومنهاجاً"وسأله نافع عن الشرعة والمنهاج في قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً ) (6) . فقال ابن عباس: الشرعة: الدين ، والمنهاج: الطريق ، واستشهد بقول أبى سفيان الحارث بن عبد المطلب:

لقد نطق المأمون بالصدق والهدى وبين للإسلام ديناً ومنهجاً.

النموذج الرابع:"ريشاً"وسأله نافع عن كلمة"ريشاً"فى قوله تعالى: (يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يوارى سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير.. ) (7) .

ففسره ابن عباس بالمال ، واستشهد بقول الشاعر:

فريشى بخير طالما قد بريتنى وخير الموالى من يريش ولا يبرى النموذج الخامس:"كَبد"وسأله نافع عن كلمة"كَبد"فى قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد ) (8) .

فقال ابن عباس: في اعتدال واستقامة. ثم استشهد بقول لَبِيد بن ربيعة:

يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد وهكذا نهج ابن عباس في المسائل الـ (188) التى وجهت إليه ، يجيب عنها بسرعة مذهلة ، وذاكرة حافظة لأشعار العرب ، وسرعة بديهة في استحضار الشواهد الموافقة لفظاً ومعنى للكلمات القرآنية ، التى سئل عنها (9) .

وهذا يؤكد لنا حقيقتين أمام هذه الشبهات التى أثارها الحاقدون ضد القرآن الكريم.

الأولى: كذب الادعاءات التى نسبت لابن عباس الجهل ببعض معانى كلمات القرآن.

الثانية: أن القرآن كله لا غريب فيه بمعنى الغريب الذى يعاب الكلام من أجله ، وأن نسبة الغريب إليه في كتابات السلف ، تعنى الغريب النسبى لا الغريب المطلق ، وقد تقدم توضيح المراد من الغريب النسبى في هذا المبحث ، باعتبار الزمان ، وباعتبار البيئة والمكان ، وأن ما وضعه القدماء من مؤلفات تشرح غريب القرآن إنما كان المقصود به إما أبناء الشعوب التى دخلت الإسلام من غير العرب. وإما للأجيال الإسلامية المتأخرة زمنا ، التى غابت عنها معانى بعض الألفاظ.

وقد يضاف إلى هذا كله الألفاظ المشتركة والمترادفة والمتضادة، والاحتمالية المعنى.

أما أن يكون في القرآن غريب لا معنى له وغير مأنوس الاستعمال. فهذا محال ، محال.. والحمد لله رب العالمين.

(1) هذا وقد ظهرت مؤلفات أخرى في هذا الموضوع مثل"معانى القرآن"للفراء ، وغيره من الأقدمين.

وهى ليست من كتب الغريب، بل لها مجالات بحث أخرى كالقراءات.

(2) الإتقان في علوم القرآن. فصل ما يجب على المفسر لكتاب الله.

(3) المعارج: 37.

(4) ومنه قول العامة"عزوة"أى جماعة انظر حرفى العين والزاى في كتاب الراغب.

(5) المائدة: 35.

(6) المائدة:48.

(7) الأعراف 26 (8) البلد: 4.

(9) انظر"الإعجاز البيانى للقرآن. د/عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) ط: دار المعارف بالقاهرة."

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت