فهرس الكتاب

الصفحة 1524 من 3657

وإنه من خلال المعطيات العلمية والحضارية ستتبين لكل ذي فكر مصداقية هذا الدين وأحقيته بالتفرّد والسلطان. فما قال به في عصر تنزّله البعيد، جاءت هذه المعطيات لكي تؤكده وتكشف عنه النقاب. وإن القرآن الكريم ليؤكد هذا البعد الزمني في آيتين: إحداهما قول الله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [سورة يونس، الآية 39، وسورة فصّلت، الآية 53] . والثانية: قول الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} . بعد الخبرة والتقدم، والزمن الذي يضيف بحساب الكم والنوع إلى نهر العلم والتحضّر.

إن الانتماء للإسلام يضع الإنسان في حالة تساوٍ وتآلف مع السنن الكونية، ويجنبه الارتطام بها، فيمنحه قوة أكبر على التقدم والاندفاع من خلال توافق طاقاته مع طاقات الكون ونواميسه. كما أن الانتماء للدين الذي يدعوه للكشف عن السنن والطاقات المذخورة في الكون والعالم، والإفادة منها يمنحه قدرات مضافة على التحضر والإبداع والتقدم جنبًا إلى جنب مع دعوته للكشف عن قوانين الحركة التاريخية واعتمادها لتنفيذ مهمته العمرانية في العالم والتعجيل بها.

إن الإسلام، في نهاية التحليل وبدايته كذلك، دعوة إلى التقدم والتحضّر بأي منظور ومن أية زاوية، وإن المنتمين إليهم يجدون فرصتهم الحقيقية لذلك، ليس من قبيل الادّعاء والغرور ولكن من خلال العقل والتحقّق اللذين يحرسهما الإيمان والتقوى ويدفعهما الإحسان إلى المزيد، كما سيتبين لنا من قراءة فصول هذا الكتاب.

(1) ... المقصود هنا المدلول اللغوي لا الاصطلاحي لكلمة (الوضعية) .

(2) ... محمد علي نصر الله: أضواء على نمط الإنتاج الآسيوي، مجلة آفاق عربية، سنة 2، عدد 6، 7، 8 .

عالج المؤلف هذه المسألة في الكتب التالية التي يمكن الرجوع إليها لمتابعة التفاصيل: (مدخل إلى موقف القرآن الكريم من العلم) ، (حول إعادة تشكيل العقل المسلم) ، (التفسير الإسلامي للتاريخ) ، و (مؤشرات حول الحضارة الإسلامية) .

الدكتور عماد الدين خليل في كتابه النفيس:

قالوا عن الإسلام

يقول (سنرستن الآسوجي) أستاذ اللغات السامية، في كتابه"تاريخ حياة محمد":"إننا لم ننصف محمدًا إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا؛ فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مصرًا على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ"

ويقول (مايكل هارت) في كتابه"مائة رجل في التاريخ":"إن اختياري محمدًا، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي."

فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدأوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضًا وحّد القبائل في شعب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها"."

"... لعله من المتوقع، بطبيعة الحال، أن تكون حياة مؤسس الإسلام ومنشئ الدعوة الإسلامية [صلى الله عليه وسلم] ، هي الصورة الحق لنشاط الدعوة إلى هذا الدين. وإذا كانت حياة النبي [صلى الله عليه وسلم] هي مقياس سلوك عامة المؤمنين، فإنها كذلك بالنسبة إلى سائر دعاة الإسلام. لذلك نرجو من دراسة هذا المثل أن نعرف شيئًا عن الروح التي دفعت الذين عملوا على الاقتداء به، وعن الوسائل التي ينتظر أن يتخذوها. ذلك أن روح الدعوة إلى الإسلام لم تجئ في تاريخ الدعوة متأخرة بعد أناة وتفكر، وإنما هي قديمة قدم العقيدة ذاتها. وفي هذا الوصف الموجز سنبين كيف حدث ذلك وكيف كان النبي محمد [صلى الله عليه وسلم] يعد نموذجًا للداعي إلى الإسلام..." (1) .

"... من الخطأ أن نفترض أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] في المدينة قد طرح مهمة الداعي إلى الإسلام والمبلغ لتعاليمه، أو أنه عندما سيطر على جيش كبير يأتمر بأمره، انقطع عن دعوة المشركين إلى اعتناق الدين..." (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت