* ومنهم من جعله من باب النسب ، أى ذات قرب ، كقولهم في حائض: ذات حيض.
* ومنهم من جعل"قريب"مصدراً مستعملاً استعمال الأسماء مثل النقيق ، وهو صوت الضفادع. والضغيب وهو صوت الأرنب. والمصدر يُلتزم فيه الإفراد وإن جرى على جمع ، والتذكير وإن جرى على مؤنث كما في هذه الآية الكريمة.
* ويرى آخرون أن تأنيث"رحمة"لما كان تأنيثاً مجازياً لا حقيقياً جاز في الاستعمال اللغوى تأنيث خبره وصفته ، وجاز تذكيرهما على حدٍ سواء. سواء كان في ضرورة الشعر ، أو في النثر.
وقال الحلبى تلميذ أبى حيان ، وهما من الأئمة الأعلام في النحو:
"وهذا يجئ على مذهب ابن كيسان ، فإنه لا يقصر ذلك على ضرورة الشعر ، بل يجيزه في السعة" (3) .
وقال الفراء:"قريبة وبعيدة إما أن يراد بهما قرابة النسب أو عدمها فيؤنثها العرب ليس إلا ، كقولهم:"
فلانة قريبة منى أى في النسب وبعيدة منى أى في النسب. أما إذا أريد بها القرب المكانى أو الزمانى فإنه يجوز الوجهان ؛ لأن قريباً وبعيداً قائم مقام المكان أو الزمان ، فتقول:
فلانة قريبة وقريب ، وبعيدة وبعيد ، والتقدير هى في مكان قريب وبعيد. قال الشاعر:
عشية لا عفراء منك قريبة فتدنو ولا عفراء منك بعيد " (4) يعنى أن الشاعر جمع بين الوجهين التأنيث والتذكير والموصوف مؤنث ؛ لأن"قريب"و " بعيد"أريد بهما القرب في المكان والبعد فيه."
والآية الكريمة ليس القرب المذكور فيها مراداً به قرب النسب فيلزم تأنيثه ، وإنما المراد قرب الزمان ، والعرب تجيز فيه الوجهين: التأنيث والتذكير.
ولأمرئ القيس ، وهو من شعراء الجاهلية ، وشعرهم حُجة في إثبات اللغة ، بيت نحا فيه هذا المنحى ؛ فقال:
له الويل إن أمسى ولا أم سالم قريب ، ولا البسباسة ابنته يُشكرا (5) والشاهد في البيت تذكير"قريب"مع جريانه على مؤنث"أم سالم"وهو نظير"قريب"فى الآية الكريمة.
والخلاصة:
رأينا في الرد على هذه الشبهة أن القرآن الكريم لم يخرج عن سنن البيان العربى حين ذكَّر"قريب"فى الآية ، وهى مجراة على مؤنث مجازى غير حقيقى"رحمة الله".
وكان أصح وأثبت ما ذكرناه في الرد على خصوم القرآن ، هو ما قاله الفراء رحمه الله ، من أن العرب كانوا يفرقون بين القرب والبعد من النسب وبين القرب والبعد في المكان والزمان:
فالأول: يلتزم فيه تأنيث ما جرى خبراً أو صفة لمؤنث.
أما الثانى: وهو القرب والبعد في المكان والزمان فإنهم يجيزون فيه الوجهين: التأنيث والتذكير ، وقد ذكر رحمه الله بعض الشواهد الشعرية لشعراء هم حُجة في إثبات اللغة ، وطرائق استعمالاتها. وبهذا تظهر براءة القرآن الناصعة مما حاول خصومه إلصاقه به من خطأ.
(1) الأعراف: 56.
(2) وعلى هذا يكون التذكير قرينة على صحة حمل"رحمة الله"على غفران الله ، أو رضوانه. انظر:
معانى القرآن للزجاح (2/380) .
(3) يعنى في النثر دون اشتراط ضرورة تدعو إليه. انظر: الدرر المصون (5/345) .
(4) معانى القرآن (2/382) والبيت لعروة بن حزام. وقد أورده للغرض نفسه أبو حيان في البحر (4/313) .
(5) الدر المصون. الشاهد رقم (562) .
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطاً أمماً وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرِب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم.. ) (1) .
وشاهدهم على اللغط بهذه الشبهة هو قوله عز وجل"اثنتى عشرة أسباطاً أمماً"والصواب الذى توهموه عبروا عنه بقولهم:
"كان يجب أن يُذَكَّر العدد ، ويأتى بمفرد المعدود فيقول: اثنى عشر سبطا".
الرد على الشبهة:
وجَّه النحاة تأنيث العدد في الآية بأن السبط في بنى إسرائيل كالقبيلة عند العرب. يعنى أنه أراد بالأسباط القبائل ، ولذلك أنث جزئى العدد المركب ، وهما: اثنتى ، وعشرة (2) .
هذا وجه ، ووجه آخر هو تأويل السبط بالجماعة أو الفرقة أو الطائفة.
أما جمع أسباط ، وكان حقه أن يفرد فقد روعى فيه المعنى دون اللفظ ، ومراعاة المعنى دون اللفظ ، أو اللفظ دون المعنى كثير الورود في النظم القرآنى ، ويبدو أن هؤلاء الطاعنين في سلامة القرآن من كل خطأ يجهلون هذه الأساليب في القرآن خاصة ، وفى اللغة العربية عامة ، ويتشبثون بظواهر العبارات حباً في ترويج ما يريدون ترويجه من الشبهات الواهية وكان العرب النازل بلغتهم القرآن يذكِّرون عدد المؤنث مراعاة للفظ فيقولون: ثلاثة أنفس ، أى رجال ويقولون عشر أبطن.
ففى الأول"ثلاثة أنفس"ذكَّروا العدد نظراً للمعنى ؛ لأن المعدود مذكر"رجال"وفى الثانى أنثوا العدد"عشر أبطن"لأن المعدود هو القبيلة أى عشر قبائل. وهذا باب واسع لا تحصر شواهده (3) .
أما جمع المعدود الذى في الآية"أسباطاً أمماً فله نظائر في الاستعمال المأثور الوارد عن العرب ومنه قول الشاعر:"