-ثامناً: قال السهيلي:"فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان أولى من زيد بهذه الفضيلة، فالجواب أنه ليس في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - أكل منها، وعلى تقدير أن يكون أكل، فزيد إنما كان يفعل ذلك برأي يراه لا بشرع بلغه، وإنما كان عند أهل الجاهلية بقايا من دين إبراهيم، وكان في شرع إبراهيم تحريم الميتة، لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، وإنما نزل تحريم ذلك في الإسلام، والأصح أن الأشياء قبل الشرع لا توصف بحل ولا بحرمة، مع أن الذبائح لها أصل في تحليل الشرع واستمر ذلك إلى نزول القرآن...".
-وقال القاضي عياض في عصمة الأنبياء قبل النبوة:"إنها كالممتنع، لأن النواهي إنما تكون بعد تقرير الشرع، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن متعبداً قبل أن يوحى إليه بشرع من قبله على الصحيح...".
-تاسعاً: ومن التوجيهات كذلك كما قال الشيخ الألباني - رحمه الله:"توهم زيد أن اللحم المقدم إليه من جنس ما حرم الله، ومن المقطوع به أن بيت محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يطعم ذبائح الأصنام، ولكن أراد الإستيثاق لنفسه والإعلان عن مذهبه، وقد حفظ محمد له ذلك وسرّ به" [2] .
-عاشراً: قال الذهبي - رحمه الله-:"لو افترض أن زيد بن حارثة هو الذي ذبح على النصب فقد فعله من غير أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه كان معه، فنسب ذلك إليه، لأن زيداً لم كن معه من العصمة والتوفيق ما أعطاه لنبيه، وكيف يجوز ذلك وهو عليه السلام قد منع زيداً أن يمس صنماً، وما مسه هو قبل نبوته، فكيف يرضى أن يذبح للصنم، هذا محال".
وقال أيضا:"أن يكون ذبح لله واتفق ذلك عند صنم كانوا يذبحون عنده" [3]
-نتيجة البحث:
-1-: ليس في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح على النصب أو أكل مما ذبح على النصب، وغاية ما في الحديث أن السفرة قدمت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولزيد ولم يأكلا منها.
2-: الرواية التي في صحيح البخاري أن السفرة قدمت للنبي - صلى الله عليه وسلم - فرفض أن يأكل منها، ثم قدمت لزيد ولم يأكل منها، فلا وجه لطعن طاعن أو لمز لامز ولله الحمد.
3-: جاءت رواية عند أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم السفرة لزيد، وامتنع زيد أن يأكل منها، وكذلك لا يوجد أي دليل على الذبح للنصب أو للصنم، وإن كان يفهم منها هذا ولكنها ليست صريحة.
4-: امتناع زيد بن عمرو من أكل ما في السفرة إنما كان من أجل خوفه أن يكون اللحم الذي فيها مما ذبح على الأنصاب فتنزه من أكله، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل من ذبائحهم التي كانوا يذبحونها لأصنامهم.
5-: قال الذهبي - رحمه الله-:"لو افترض أن زيد بن حارثة هو الذي ذبح على النصب فقد فعله من غير أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه كان معه، فنسب ذلك إليه، لأن زيداً لم يكن معه من العصمة والتوفيق ما أعطاه الله لنبيه، وكيف يجوز ذلك وهو عليه السلام قد منع زيداً أن يمس صنماً، وما مسه هو قبل نبوته، فكيف يرضى أن يذبح للصنم، هذا محال".
6-: أما ما جاء في بعض الروايات التي فيها (إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم) قال: فما رؤي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب) وهذه الرواية منكرة، حكم عليها بالنكارة الإمام الذهبي والإمام الألباني - رحمهما الله -.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] المغني في الضعفاء ترجمة رقم 5879.
[2] ( فقه السيرة ص 82) .
[3] ( سير أعلام النبلاء 1/135) .
أبو عبد الله الذهبي
الحمد لله والصلاة و الصلاة و السلام على رسول الله، ثم أما بعد:
أحبتي في الله شاء الله عز وجل ولا مرد لمشيئته أن يطلق زيد بن حارثة زوجته حينما تعذر بقاء الحياة الزوجية بينه و بينها على الوجه المطلوب، و مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفوس بحكم العادة لا يسهل التخلص منه، فقد كانت عادة التبني لا تزال قائمة في نفوس الناس، و ليس من السهل التغلب على الآثار المترتبة عليها، و من أهم هذه الآثار أن الأب لا يتزوج امرأة من تبناه بعد وفاته أو طلاقه لزوجته، فاختار الله تعالى لهذه المهمة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم و أمره بالزواج من زينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد.
و بعد أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب رضي الله عنها، أثار هذا الزواج أحاديث همز و لمز و أقاويل كثيرة من قبل المشركين والمنافقين، فقد قالوا: تزوج محمد حليلة ابنه زيد بعد أن طلقها، كما وأن للمستشرقين و من شايعهم في العصر الحاضر، أحاديث في هذا الموضوع، فاتخذوا من هذه الحادثة ذريعة للطعن في رسول الله صلى الله عليه و سلم.