فهرس الكتاب

الصفحة 2043 من 3657

والوحدة الخامسة: تنتظم عناصرها تحت مبدأ الصبر الجميل في كل عمل خير يؤديه المكلف ، وبخاصة في الشدائد والمحن وملاقاة العدو.

أما الوحدة السادسة: فهى بيان فضل هؤلاء المذكورين في الآية ، وبخاصة ما ذكر قبل الفاصلة مباشرة ، ومنزلتهم عند الله:

"أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون".

وإذا تأملت هذه الوحدات ، وعناصرها المندرجة تحتها ، وجدت أن أشدها وقعاً على النفس ، وأكثرها أعباء ، وأشقها كلفة ، هى الصبر في المحن والشدائد والأخطار ، وبخاصة في ملاقاة العدو ، والتعرض لزحفه وسلاحه ، وقد يفضى بالإنسان إما إلى حدوث عاهات مؤلمة في الجسم ، وإما إلى الموت. فالمقاتل في ساحات الكر والفر إنما يصارع الموت ، ومقدمات الموت.

ولهذا جاء إعراب"الصابرين"مخالفاً لإعراب ما قبلها ، ليلفت الله أذهان العباد إلى أهمية الصبر في هذه المجالات ، وهذا الإعراب المخالف لما قبله يفيد مع تركيز الانتباه ، وتوفير العناية بتأمُّل هذا الخلق العظيم ، يفيد أمراً آخر مبهجاً للنفوس ، هو مدح هؤلاء الصابرين شديدى العزيمة ، قويى الاحتمال.

فانظر إلى نفائس هذه المعانى ، التى دل عليها نصب"الصابرين"مع كون ما قبله مرفوعاً. إنها بلاغة القرآن المعجز ، وعبقرية اللغة العربية لغة التنزيل الحكيم.

وهذا الإعراب المخالف لإعراب ما قبله ، هو الذى يسميه النحاة واللغويون بـ"القطع"كما تقدم في نظيريه في هذه الدراسة ، إما للمدح كما في هذه الآية ، وآية النساء"والمقيمين الصلاة"وقد تقدمت.

وإما بقصد الذم ، كما في قوله تعالى في سورة المسد"وامرأته حمالةَ الحطب"أى امرأة أبى لهب التى كانت تحمل الشوك وتنثره في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتؤذيه. لأن كلمة"حمالة"جاءت منصوبة بعد رفع ما قبلها ، وهى"امرأتُه"فهذا قطع كذلك ، القصد منه الذم ، أى: أذم أو ألعن حمالة الحطب.

وأياً كان القطع للمدح أو الذم ، فإنه من أرقى الأساليب البلاغية ، يحتوى على فضيلة الإيجاز وهى أن تكون المعانى أكثر وأوفر من الألفاظ التى تدل عليها ، أو المستعملة فيها ، لأن كل كلمة قُطِعَ إعرابها عما قبلها نابت هذه الكلمة مناب ثلاثة قيم بيانية ، رامزة إلى وجودها في المقام ، وإن كانت محذوفة وهى:

1 ـ الكلام الذى عمل الإعراب المخالف في الكلمة المقطوع إعرابها عن إعراب ما قبلها ، وهو فى"الصابرين"أمدح أو أخص الصابرين بالمدح. وفى آية"المسد"أذم أو ألعن.

2 ـ إفادة المدح أو الذم بغير الألفاظ التى تدل عليهما.

3 ـ فضيلة الإيجاز البيانى المفعم بالمعانى الآسرة والدلالات الساحرة. فسبحان من هذا كلامه ‍‍!

والخلاصة:

بعد هذا البيان الموجز ، وإن طال ، لا أرانا في حاجة إلى ذكر توجيهات النحاة والمفسرين وعلماء القراءات واللغويين ، لمجئ"الصابرين"منصوباً بعد مرفوع في هذه الآية ، لأن توجيهاتهم ـ هنا ـ مثل توجيهاتهم هناك ، ولسنا في حاجة كذلك إلى الاستشهاد بالمأثور عن العرب الذين يحتج بكلامهم على قواعد اللغة ، وطرائق استعمالاتها ، لسنا في حاجة إلى ذلك ، وإن كان مفيداً ، لأن القرآن الكريم حُجة في نفسه ، غير مفتقر لإقامة الدليل من خارجه على صحة شىء فيه ، فهو النموذج الممتاز الأعلى للغة العربية ، قواعدها ، ونحوها ، وصرفها ، وبيانها ، وبلاغتها. وحسبنا في هذه الآية المعانى التى أمطنا عنها اللثام في مجىء"الصابرين"منصوباً بعد مرفوع.

(1) النساء: 162.

(2) الكشاف (1/582) .

(3) الكتاب (1/248) .

(4) إملاء ما من به الرحمن (1/202) .

(5) انظر: في هذه الشواهد الدر المصون (4/154) .

(6) انظر: الدر المصون (4/155) .

(7) البقرة: 177.

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

الشبهة:

هو قوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين ) (1) .

وموضع الشاهد عند المعترضين في الآية الكريمة هو كلمة"قريب"وهى"خبر"اسم"إن""رحمة".

وحين نظروا في نظم هذه الآية توهموا كذلك أن فيها خطأً نحوياً منشؤه عدم التطابق بين المبتدأ"رحمة"والخبر"قريب"فى التأنيث ، لأن المبتدأ"رحمت"مؤنث. أما الخبر"قريب"فهو في الآية مذكر قالوا:

وكان يجب أن يتبع خبر"إن"اسمها في التأنيث فيقال: قريبة.

الرد على الشبهة:

ذكر علماؤنا في توجيه هذا"التذكير"الحاصل بحذف علامة التأنيث من الخبر ، عدة وجوه ، لا نريد أن نطيل بذكرها كلها ، لذلك نكتفى بما يرد كيد هؤلاء الطاعنين في نحورهم.

-بعضهم يجعل"رحمة الله"فى معنى الغفران [ أو الرضوان ] فلذلك جاء الخبر"قريب"مذكراً.

وقد اختار هذا الرأى النضر بن شميل والزجاج (2) .

* ومنهم من جعل"قريب"صفة لخبر محذوف مذكر تقديره: شىء أو أمر قريب ، ودليل هذا الحذف هو تذكير"قريب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت