فهرس الكتاب

الصفحة 1517 من 3657

ويقينًا فإنه بمجرد أن يتبيّن هذا اللقاء المرسوم بين الإسلام وبين أشقائه الذين سبقوه على الطريق، بمجرد أن يتضح هذا العناق في الروح، وفي الجوهر، بين الأديان السماوية جميعًا، وقد تبيّن هذا وذاك فعلاً، فإنه سيكون بمثابة واحد من الإغراءات الأشد إثارة، من الوعد المقنع، بأن الانتماء لهذا الدين ليس خيانة ولا هرطقة ولا مروقًا، ولكنه الصدق مع الله، والنفس، والضمير، والتوحد الأكثر حيوية وعطاء مع حركة الدين السماوي في هذا العالم.

ترى، كم من أولئك الذين عاينوا هذه المسألة، خرجوا لكي يقولوا للناس كلمة حق، أو يدلوا بشهادة تقييم لهذا الدين، وكم منهم، انتهوا أخيرًا إلى التحقق بالكلمة، والانتماء إلى دين هو بمثابة دعوة الحنيف واليهودي والنصراني، فضلاً عن الوثني والملحد؟

(1) انظر على سبيل المثال: سورة البقرة، آية 41، 89، 91، 97، 101، آل عمران 3، 81، النساء47، المائدة 48، فاطر 31، الأحقاف 12، 30 يونس 37، يوسف 111 .

فماذا عن الاختبار الثاني ؟ محاولة التأكد من قدرة هذا الدين الأبدية على الاستجابة لمطالب الإنسان، فردًا وجماعة، وعلى قيادته عبر الصراط إلى أهدافه المرتجاة ؟

سيكون من قبيل محاولة إثبات أن الشمس تطلع من الشرق، إذا قلنا بأن الإسلام جاء لكي يعالج كافة مناحي الحياة البشرية، الفردية والجماعية، والروحية، والمادية، والتربوية والتشريعية... إلى آخره، فهذه مسألة معروفة لا تحتاج إلى اختبار أو تأكيد، بمجرد أن يطّلع المرء على طبيعة هذا الدين، ويتفحص تركيبه، وبمجرد أن يعرف أنه ما جاء لكي يؤم الناس في الصلوات فحسب، بل لكي يقودهم في الحياة ويرشدهم، وفق برنامج عمل مرسوم، إلى ما يجب أن يفعلوه وما يجب ألا يفعلوه في مسائل الحياة جميعًا.

لكن ثمة"ميزات"تنبثق عن هذه النزعة الشمولية، وتمثل في الوقت نفسه مصدرها الأساسي، هي التي تجعل هذا الدين، من بين سائر الأديان والمذاهب السماوية والوضعية، بمثابة"الضرورة"الدائمة أو الحتمية الوحيدة للإنسان والجماعة البشرية إذا أراد، وأرادت، أن ترجع إلى فطرتها الأصيلة، وتستعيد توازنها المفقود، وتتجاوز تبعثرها وانشطارها وتعاستها.

وهذه الميزات هي التي تأكدت بمرور الوقت، وازدادت صلابة وتبلورًا عن طريق احتكاكها الدائم بالمعطيات الجانحة، سواء كانت وضعية أم دينية محرّفة، وهي التي يسوق اختبارها، ووضع اليد عليها من قبل غير المسلمين إلى تبيّن خصوصية هذا الدين، وتفرّده وقدرته على الاستجابة لمطالب الإنسان الملحّة والسير به صوب أهدافه المرتجاة.

فمن يستطيع - مثلاً - أن ينكر ما يتضمنه الإسلام من توازن بين كافة الثنائيات، ووفاق بينها، بينما هي في سائر الأديان والمذاهب الأخرى تصطرع وتتقاتل، وينفي بعضها بعضًا، أو يطغى على حساب الأخريات متفردًا بالسلطان ؟ إنه ما من دين أو مذهب - كالإسلام - قدر على لمّ هذه الثنائيات في صميم الكينونة الإنسانية، في تركيب الجماعة البشرية، في نسيج النشاط الحضاري، وتحويلها بالتناغم والتلاؤم إلى قوى توحّد ودفع وانسجام في مسيرة الإنسان. إنه اللقاء الموزون بين الظاهر والباطن، والحضور والغياب، والمادة والروح، والقدر والاختيار، والضرورة والجمال، والطبيعة وما وراء الطبيعة، والتراب والحركة، والوحدة والتنوع، والفردية والجماعية، والأخلاقية والمنفعية، والعدل والحرية، والوحي والتجريب، والدنيا والآخرة، والفناء والخلود... هذا اللقاء الذي يشكل بحق واحدًا من نقاط الجذب في الإسلام، ويدفع الكثيرين ممن يعاينونه ويختبرونه إلى الإعجاب والانبهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت