من يستطيع أن ينكر قدرة الإسلام على تلبية مطالب الإنسان أيًا كان موقعه في الزمان أو المكان، وأية كانت درجة رقيّه وتحضره ؟ إنه إذ يخاطب ويخطط لعناصر الديمومة والاستمرار في كيان الإنسان، ونسيج العلاقات الاجتماعية، تلك العناصر التي تعلو على المتغيرات، بل تعمل من خلالها، بحضورها الأبدي، وتتجاوز عوامل التعرية والتآكل التي تأتي بالغناء عن الكثير من القيم والخبرات الموقوتة، إنه إذ يفعل هذا فكأنه يتجاوز معضلة"المرحلية"التي أسرت ولا تزال الكثير من المذاهب والأديان ورفعتها إلى الزوايا الضّيقة، فما لبثت حركة التاريخ أن تجاوزتها، أو أرغمتها على الانسحاب لأنها لم تكن تملك المرونة والانفتاح اللذين يمكناها من مواصلة التعامل مع الإنسان. لقد كان الإسلام، وسيظل، هو الأقدر من بين سائر المذاهب والممارسات، على تلبية حاجيات الإنسان وتطمين منازعه، وإننا بمجرد أن نتفحص سيل المنتمين إلى هذا الدين في القرن العشرين، وهم على ما هم عليه من تقدّم مشهود في السلّم الحضاري، جنبًا إلى جنب مع حشود المنتمين إليه في أماكن وأزمان شتى، وهم على ما هم عليه من تخلّف حضاري، يتبيّن لنا كم أن الإسلام قدير على تلبية مطالب الإنسان، دون أن يشكل انضواء الإنسان إليه أيّ ارتطام على الإطلاق بين حالته التاريخية أو الحضارية وبين الصيغ والخرائط التي يلزم الإسلام باعتمادها والاسترشاد بها عبر اجتيازه رحلة الحياة الدنيا.
ومن يستطيع أن ينكر أن الإسلام جاء لكي يهدي الإنسان ككيان بشري في كافة مكوناته وعلى قدر احتياجاته من غير زيادة أو نقصان، وأنه بينما جنحت المذاهب والنظريات صوب جانب فحسب من جوانب الكينونة البشرية: العقل، أو الروح، أو الغرائز، أو الجسد، أو الحسّ، أو الوجدان... إلى آخره، بينما عانت من التضخم والورم المرضي في هذا الجانب أو ذاك، وضمرت وغابت في جوانب أخرى، نجد الإسلام يتقدم بهندسته المعجزة لكي يتعامل مع الإنسان بمكوناته كافة، ولكي يكون حاضرًا عند كل صغيرة أو كبيرة في معاناته، أية كانت طبيعة هذه المعاناة عقلية أم روحية أم جسدية. وإذا كنا قبل قليل نتكلّم عن أن هذا الدين جاء لكي يكون رسالة السماء الأخيرة للأرض، فإنه سيكون من قبيل التناقض ألا يتضمن ميزة"التلاؤم"الكامل مع الإنسان، فإن الله سبحانه الذي هو أدرى بخلقه والذي يعرف من خلق، يعرف في الوقت نفسه المنهاج الذي يصلح للإنسان والذي يجيء موازيًا تمامًا لحجمه، ملائمًا تمامًا لدوره في الأرض؛ إن المؤمنين يعرفون هذا جيدًا، وهم يعيشونه صباح مساء، وعبر أربعة عشر قرنًا من الزمان كان المسلم وهو يتعامل مع دينه، مقتنعًا حتى النخاع بأنه واجد فيه الجواب على كل سؤال يطرحه، والحل لكل معضلة تجابهه، بل أنه واجد فيه التناسب الفذّ مع منازعه كإنسان، بحيث أن هذه العقيدة لم تنكمش يومًا تاركة إياه يتخبط في اجتهاداته الخاصة التي قد تخطئ وقد تصيب، ولم تتسع يومًا بأكثر مما يجب بحيث يعجز عن ملاحقة مطالبها وإدراك أبعادها الشاسعة، لقد كان المسلم يعرف دائمًا أن إحدى مزايا دينه هو هذا التلاؤم بينه وبين الإنسان، أما غير المسلمين فإنهم كثيرًا ما اختبروا هذا الجانب، فأكد لهم الاختبار صدق المقولة، وكان ذلك من بين عوامل وميزات أخرى، ما دفعهم إلى أن يقولوا كلمتهم فيه، بل أن يعلن بعضهم انتماءه إليه.
من يستطيع أن ينكر - كذلك - حركية هذا الدين، أو دايناميته الأبدية، قدرته على ملاحقة المتغيرات، استجابته للتحديات، حضوره الدائم في مواجهة الأحداث والخبرات؟ من يستطيع، رغم مرور الإسلام بفترات اختناق وتصلّب، طالت حينًا وقصرت أحيانًا، أن يقول بأنه ما استرجع قدرته على الفعل والحوار في أعقاب كل توقف، أو أنه فقد قدرته على الجدل إثر كل اختناق.
إن بمقدور المرء وهو يتفحّص هذا الدين أن يلمح في تركيبه خطين متوازيين كان وجودهما معًا بمثابة حماية لذاتية الإسلام، وتمكين له في الوقت نفسه من التحرك والانفتاح لكي يجابه سائر الحالات والمتغيرات ويستجيب لمختلف الخبرات والتحديات.
أما الخط الأول فيتمثل بعناصر الديمومة والثبات التي لا ينالها التغيير والتي تأبى على المتغيرات، بسبب من كونها حقائق أبدية تجابه حالات دائمة لا تخضع للتبدلات التاريخية والحضارية. وأما الخط الثاني فيتمثل بتلك الإمكانات المرنة التي منحها الإسلام أتباعه كي يجتهدوا أن يجابهوا بها المتغيرات ويستجيبوا للحالات المتجددة استنادًا إلى الأسس والعناصر الدائمة الثابتة. وهكذا يمضي الإسلام القرون تلو القرون وهو يحمل قدرته المزدوجة على حماية ذاته في مواجهة العالم، فيما لم تشهده أية عقيدة أو مذهب آخر، ويحمل مع هذه قدرته الأخرى على التكيف والملاءمة والاستجابة.
إن وحدة الدين والحياة ما تحققت يومًا ما كما تحققت في إطار هذا الدين، وإن ما قاله كبار الدارسين للإسلام من غير أبنائه يؤكد صموده للاختبار في هذا الجانب الحيوي وتفوقه فيه.