فهرس الكتاب

الصفحة 519 من 3657

لكن ثمة اعتبارات داخل الإطار الإسلامي تلاحظ أن كسر الاعتياد المألوف على أمر واحد كان صعبًا، وقد يفضي إلى كثير من الخصام والانشقاق الذي يداريه بعض رجال الدعوة، ويتخوفون سوء عواقبه، فلما جاءت هذه الحركة الانفتاحية رأوا فيها -على ما فيها- وجهًا من الخير يؤهل للرجوع إلى الأمر الأول الذي كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ، بحيث لا تكون الأطروحات الدعوية مثقلة بأعباء تاريخية وواقعية تئد مسيرتها وتبطئ خطوها، وبهذا يتم التخفف من ألوان العصبيات العلمية والاجتماعية والحركية لصالح الحرية الشرعية المنضبطة.ولأن الناس ربما لم يتعودوا على كيفية استخدام هذه الحرية التي حصلوا عليها إلكترونيًا أو فضائيًا؛ فإن المرحلة السابقة يمكن اعتبارها فترة للتدريس والتعود، وهذا يخفف من القلق الذي يساورنا حين نرى اللغة التي يتم تداولها عبر الحوار، أو المسلك الأخلاقي في التثبت والاستماع والمعالجة والجرأة على ما لا يفهم المرء ولا يحسن ولا يدرك أبعاده، وبصفة أوسع: التفريط في حقوق الأخوة بسبب ما يظن أنه اختلاف، وقد يكون الأمر اختلافًا سائغًا؛ بل محمودًا لا تثريب فيه، أو أن الحق مع الطرف الذي نشجبه ونشنع عليه، ولكن خفي علينا، ومن جهل شيئًا أنكره و عاداه، أو ليس ثمة اختلاف أصلًا، وإنما هو كما يقول أهل العلم:"خلاف لفظي ليس له ثمرة ولا محصلة". وبكل حال؛ فإن الواجب علينا أن نجتهد في رفع مستوى الحوار ولغة التخاطب وأخلاقيات التعامل إلى أسمى ما هو ممكن، والمثل الأعلى لدينا هو في التعليمات الربانية في محكم التنزيل، وفي التطبيقات النبوية الكريمة.ومن الخطأ افتراض أننا نعيش أوضاعًا ليس لها مثيل من قبل، ولذلك نفترض أن أساليب مواجهتها يحب أن تختلف عما كان عليه الأمر في عهد السلف. هذا غير صحيح، فلدينا سيرة نبوية عطرة عاشت فترة الضعف والتمكين، والكثرة والقلة، ومع الموافق والمخالف، وعايشت اليهود والمنافقين بالمدينة، والوثنين بمكة ثم بالمدينة وجزيرة العرب، والنصارى في نجران وبلاد الشام، وضعفاء النفوس من المسلمين، كما عايشت الاختلاف في وجهات النظر منذ العهد النبوي ثم عصور بني أمية وبني العباس. والعبرة بالقواعد العامة التي انطلقوا منها، وليست بالاجتهاد الفردي، فحين نقول عن منهج ما أو طريقة ما: إنها طريقة سلفية؛ فهذا يعني لزامًا أن السلف مطبقون عليها، أما حين يكون اجتهادًا لإمام منهم؛ فإنها تظل اجتهادًا فرديًا غير ملزم، وإنما الملزم للناس هو:

-الكتاب.

-السنة الصحيحة.

-الإجماع الثابت، وليس المدعى.

ولكل فقيه أو عالم أن يجتهد وراء ذلك بما يدين به من فهم النص أو الجمع بينه وبين غيره، أو الانطلاق من القواعد الكلية والمقاصد الشرعية. وليس ثمة حجر أن يختلف العلماء، وأن يرد بعضهم على بعض؛ لكن مع رعاية أصول الاختلاف وأصول الرد وأصول التنازع، فلا تجريح ولا اتهام، ولا تنقص ولا ازدراء ولا تسفيه؛ وإنما عفة في اللسان والقلم يكسو المرء بها لفظه، ويبين عن طيب معدنه وسلامة قصده، وحرصه على الهداية، وبعده عن الهوى والحظ الشخصي.وقديمًا كان حكيم الفقهاء (الشافعي) يقول:

-قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.

-ما ناظرت أحدًا إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه.

-لو خاصمت ألف عالم لخصمتهم، ولو خاصمت جاهلًا لخصمني.

-يا ربيع اكسُ ألفاظك.

-ألا يمكن أن نكون إخوة؛ وإن لم نتفق في مسألة؟

-الحر من راعى وداد لحظة أو تمسك بمن أفاده لفظة.

فرحم الله الإمام الشافعي وأعاد إلى المسلمين سداد هذا المنهج

الكاتب: محمد الغزالي

ظهر من هذه التعاليم أن الإسلام جاء لينتقل بالبشر خطوات فسيحات إلى حياة مشرفة بالفضائل و الآداب، وأنه اعتبر المراحل المؤدية إلى هذا الهدف النبيل من صميم رسالته، كما أنه عد الإخلال بهذه الوسائل خروجا علية و ابتعادا عنه.

فليست الأخلاق من مواد الترف، التي يمكن الاستغناء عنها، بل هي أصول الحياة التي يرتضيها الدين، ويحترم ذويها.. وقد أحصى الإسلام بعدئذ الفضائل، و حث أتباعه على التمسك بها واحدة, واحدة.

ولو جمعنا أقوال صاحب الرسالة في التحلي بالأخلاق الذكية لخرجنا بسفر لا يعرف مثله، لعظيم من أئمة الإصلاح.

وقبل أن نذكر تفاصيل هذه الفضائل، وما ورد في كل منها على حدا نثبت طرفا من دعوته الحارة، إلى محامد الأخلاق، ومحاسن الشيم:

عن أسامة بن شريك قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه أناس فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ قال: (( أحسنهم خلقا ) ). وفي رواية: (( ما خير ما أعطى الإنسان؟ قال: خلق حسن ) ).

قال: (( إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شئ، وإن أحسن الناس إسلاما أحسنهم خلقا ) ).

وسئل: (( أي المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: أحسنهم خلقا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت